سيمياء الخطاب الهجين وثقافة الارتباك (2-3)

إبراهيم طه


*قراءة في "اقرأ بسم حبّك" لعلي هيبي*



حادثة ثقافية
يجب النظر إلى نصّ القصيدة التغزلية في مجموعة "اقرأ بسم حبّكِ" بوصفه حادثة ثقافية حضارية. وحتى يتمّ ذلك لا بدّ من تجاوز الفتنة التي قد توقعنا بها جمالية هذا النصّ. وهو نصّ جميل يعرف كيف يفتن القارئ ويغويه بلغته وبلاغته وتناصّاته وأسلوبه ومجازاته في البقاء في دائرة الأدبي الجمالي. والتجاوز لا يعني القفز على الجماليات لأنّ هذا الأمر قد يعرّضنا إلى خطورة العودة إلى أحضان النقد الواقعي بكلّ أشكاله مع بداية القرن الماضي. التجاوز يعني ضرورة الانتقال من الجمالي إلى المرجعي وهذا الانتقال يتحقّق بتوجيهات سيميائية وأدوات تلائمها.


الاستعارة التفكيكية
الاستعارة التفكيكية ترى أنّ المعنى الذي تريد تشكيله لا يتحقّق إلا بلغة من حقل معيّن يصادرها الشاعر بالكامل ليجيّرها للمعنى الجديد. يهدم المستعار منه ليبني المستعار له أو لأجله على أنقاضه. فإن قلت "جاء القمر" وعنيت بالقمر محبوبتك، فإنك بهذه الاستعارة قد استعرت بعضًا من جمال القمر وأبقيت الجمال من نصيب القمر نفسه، فجاءت استعارتك لشيء من جمال القمر مؤقّتة وبعضيّة. بهذا تكون هذه الاستعارة التصريحية "جاء القمر" تمكينية تمكّن المشبّه به من مواصفاته وتثبّتها كحقّ له لا ينازعه فيه أحد ولا المحبوبة نفسها.



//الإحالة الإشارية: الحبّ فعل والغزل حكي


أما الإحالة الإشارية فتستعين بالقنوات البينيّة، إلى جانب ما تقدّمه بعض أشكال التناصّ الإشارية في المجموعة. يستحضر الشاعر غرضًا شعريًا قد أصابه الضعف والوهن حتى انقشع أو كاد. انقشع كغرض مركزي مستقلّ، لتبدّل الحاضنة الثقافية والحضارية، وبقيت حتى اليوم حالات هامشية غير مستقلّة. اندثر الغزل وبقيت بعض آثاره وأطلاله. ولعلّ إصرار علي هيبي على إعادة الهيمنة لغرض شعري قد أهلكته المتغيّرات الثقافية والحضارية على امتداد قرون يوجب النظر إلى الحبّ كفعل سيميائي لا حقيقي. كيف يكون الحبّ على الحقيقة، وليس على المجاز، في واقع يرى في هذا الحبّ ورديفاته مفارقة كبرى؟ لا يعقل مثلا أن يقف علي هيبي على الأطلال، والأطلال مجاز القطيعة، في عصر حمّله في جيبه الصغير كلّ أدوات التواصل الاجتماعي أينما حلّ وارتحل، وحوّل الظعن إلى وصل والستر إلى فضح.
إذا كنا نحتكم إلى موقف دي سوسير من العلاقة بين الدالّ والمدلول يبدو أنّ المجموع الكلي لفعل الحبّ في هذه المجموعة لا يستند إلى مرجعية واقعية ملزمة بقدر ما هو انعكاس لما انطبع في الذهن واستقرّ على مدار الزمن. لأنّ العامل الحاسم في تشكيل المعاني هو منظومة الشروط السياقية التي ترافقها، على حدّ قول إيكو، وهذه تؤكّد أنّ لفظة الحبّ ومصاحباتها مضلّلة. إذا كان التغزّل حكيًا لا يتّكئ على فعل الحبّ فهو إشارة إلى شيء آخر. والإشارة هي تقصٍّ للأثر. إذا اتفقنا أنّ حبّ علي هيبي لم يكن لغرض الحبّ فقد يكون خطابًا صوفيًا جديدًا. وفي المجموعة إشارات كثيرة تفرغ الحبّ من معناه الجندري وتمنحه معنى صوفيًا. يقول الشاعر "أنتِ عذابُ دنياي اللذيذُ" (ص 119) مفهوم العذاب في الحبّ هو من شرائط الوصل على مستوى الحقيقة والمجاز. لا يمكن قراءة علي هيبي بمعزل عن الفضاء الثقافي العام، على النحو الذي يحدّده يوري لوتمان، وهكذا لا بدّ من بيان التفاعلات بين السابق واللاحق، بين الأصل والفرع، بين النموذج الأبوي والابن التجربي. وهذه تشمل في اعتباراتها الحالة الثقافية المرافقة لفعل الكتابة أيضًا. وحتى نُظهر صوفيّة هذا الحبّ الجديد لا بدّ إذًا من المقارنة السريعة بين الحبّين: الكلاسيكي المهيمن والجديد المقترح. يقارن علي هيبي نفسه بين جماليّات الحبّ في النسق المهيمن لهذا الغرض الشعري وبين جماليّات الحبّ في مجموعته هو في عدّة مواضع، وهو في جميعها يحرص على إقصاء شعره عن شعرهم. ما يعني في المحصّلة النهائية أنه واعٍ تمامًا لسؤال العلاقة الجمالية والثقافية بين الأصل والفرع في حدود الفضاء السيميائي. ومن أمثلة ذلك قوله:
"كثيرون قالوا لحبيباتهم
تعالي نعدّ النجوم في السماء
أنا أقول لحبيبتي تعالي نعدّ
كم نجمة تناثرت بعد كلّ قبلة
تنثال على ثنايا شفاهنا" (ص 97)
هم يعدّون النجوم في السماء في مواضعها الأولى، وهو يعدّها وهي تغادر موطنها لتتناثر وتتبعثر في كلّ اتجاه. المقارنة بين "هم" و "أنا" هي مفاضلة. وكلّ مفاضلة تُخفي موقفًا منحازًا. وعلي هيبي منحاز مع ثقافة التبعثر ضدّ نمطية الثبات والجمود. حبّهم موسوم بالثبات وحبّه موسوم بالحركة والسعي. وهذه أول دعامات الفكر الصوفي وركائزه.
الحبّ جملة فعلية والغزل جملة إسمية لأنه توصيف. يقيم علي هيبي خطابه في الحبّ الجديد، في مجموعته هذه، على أسس تقليدية، مثلما أشرنا، هي منظومة من مستحقّات الحبّ ومستلزماته التي صارت نموذجًا أبويًا في صناعة الغزل والتغزّل منذ كان. ولعلّ الشاعر في نزعته التقليدية هذه يعكس نمطيّة تقليدية في التفكير كنصّ مضمر. وهذه النمطيّة دفعته لأن يمدّ خطاب الغزل التقليدي ويمنحه مزيدًا من سلطة الأبوّة إلى سطوة الفحولة حين تبنّى استعارة التفكيك. علي هيبي يجتهد في ترسيخ صورة الأصل وتدعيمها بمواصفات أعمق، حتى أنه يسبق النموذج المهيمن في ثقافة الغزل بخطوتين أو ثلاث على الأقل، ليس على مستوى الجوهر وإنما على مستوى التفاصيل.
الغزل هو مديح للمرأة والتغزّل مغالاة في مدحها. الغزل إذًا هو من مشتقّات المديح في أساسه. ولا يُشترط في الغزل فعل حبّ. الحبّ هو فعل رغبة ووصال. قد يكون حبّ الرجل للمرأة أو حبّ المرأة للرجل أو يكون الحبّ للحبّ. وإن كان الحبّ للحبّ في ذاته فهو حالة صوفية متقدّمة تلغى فيها فكرة التجسيم لتظلّ في مربّع التجريد. وإن هي بقيت في مربّع التجريد فالمحبوبة هنا هي كيان لغوي تجريدي ضروري لتمثيل وهمي وافتراضي لحالة حبّ لا تكون بدون محبوبة يقع عليها فعل الفاعل. المحبوبة هنا للنداء وليست لتشغيل الحبّ ونقله من ملعب الذات إلى ملعب الآخر. المحبوبة هي منادى نكرة غير مقصودة لذاتها، لأنّ الحبّ في ذاته قدر محتوم (ص 33). وإن كانت نكرة غير مقصودة بعينها فقد يكون الحبّ في كلّ مجال معرفي ثقافي حضاري. الغزل هو محاولة لبناء محبوبة والتغزّل هو محاولة بناء محبوبة نموذجية يصلح فيها ما قد أفسد الدهر الغشوم، ويبنيها على نحو يجعله مثالا ونموذجًا لكلّ محبوبات الأرض. وهكذا يظلّ فعل الغزل والتغزّل فعل خلق وبناء وإنتاج. وإنتاج المحبوبة بالمواصفات التي يرسمها المتغزّل نفسه يعني إنتاج واقع جديد يدغدغ أحلام الشاعر في واقع بديل. لكنه واقع لغوي افتراضي مجازي سيميائي قد ينهار في أيّ لحظة أمام أول امتحان ثقافي أو حضاري. تلاعب علي هيبي بالأغراض الغزلية يسفر عن ثلاثة أنماط من الحبّ: (1) الحبّ الجندري الوهمي، حبّ الشاعر لمحبوبة افتراضية، (2) الحبّ الصوفي بالمعنى الفلسفي المنزّه عن معاني الأرضية، (3) الحبّ الأرضي الدنيوي بالمعنى السياسي اليومي والفكري السامي.. وكلها مجازفات وانزلاقات ناتجة عن سطو عنيف للقاموس القرآني الأبوي المقدّس.    

 

الإحالة الرمزية: فتنة اللغة والاستعارة التفكيكية


الرمز هو أكثر أنماط التعبير تملّصًا ومراوغة لأنه حالة مساومة. والمساومة بين النصّ والقارئ تخضع لمتغيّرات كثيرة. منحتنا قصيدة علي هيبي إشارات كثيرة إلى أنّ الحبّ هو لأغراض الغزل في هذه المجموعة، ولمّا كان الغزل لا يكفي لإقصاء الحبّ عن معناه القريب فكان لا بدّ من الانتقال إلى التغزّل، وهو حالة كذب. والكذب المتعمّد مع سبق الإصرار في الأدب لا بدّ أن يكون رمزيًا بالضرورة.
"اقرأ بسم حبّك الذي خلق
خلق العشّاق من علق" (ص 11)
اللغة فاتنة وقدرتها على الفتن وخلق الفتنة منسوبة إلى جمالها الفتّان. ما فعله إدريس في قصّته "مسحوق الهمس" هو حالة افتتان باللغة المهموسة الصامتة التي مكّنته من أن يخلق محبوبته الافتراضية، محبوبة لم يكن قادرًا على الوصول إليها وهو خارج السجن. فخلقها باللغة وإن هو غادر السجن غادر المحبوبة التي ولدت هناك والتي ليس لها أيّ وجود خارج السجن. ومن هنا رغبته المضمرة في البقاء داخل السجن حين اكتشف أنها حالة لغوية سجينة. والبقاء في السجن هو بقاء في اللغة،  والبقاء في اللغة لا يكون إلا في السجن. وهذه حالة عبثية كارثية لأنّ السجن واللغة المصاحبة له هو ناسخ للواقع الحقيقي. والافتتان باللغة هو هروب من سجن الواقع إلى سجن اللغة، إلى سجن الوهم. الرغبة في الافتتان باللغة معزوّة إلى أحد سببين: (1) الافتتان بالواقع أمر متعذّر لا تتيحه مواصفات الواقع المشوّه، (2) الرغبة في تجاوز الواقع والالتفاف عليه بأمر مبيّت، كأن يكتب الشاعر عن الحبّ كي يواري حديثه عن السياسة. الالتفاف اللغوي معروف. إذا تأملنا في إصرارنا على الكنية في تنادينا وتخاطُبنا، وهي كلّ ما ابتُدِئ بأب أو أم، لوجدناها التفافًا على الاسم وهو كلّ ما دَلَّ على مُسمّى فردي. الكنية جمع والاسم مفرد، فحين تقول "أبو حسين" فإنك جمعت اثنين بالتصريح، حسين وأباه، وأضمرت أسرة بالتلويح لأنّ الأبوّة دلالة على وجود أسرة كاملة. ومنح الاسم الفرد، "عليّ"، صفة الجمع "أبو حسين" وأسرته هو توقير افتراضي. اللغة تحمينا من رهبة السقوط في الإسفاف والإهانات المحتملة فتوفّر لنا بديلا. وهكذا تكون الحماية اللغوية فضيحة مع شهود، لأنّ التنادي أو التخاطب بالكنية قد يكون تعبيرًا عن استبدال ال"أبوّة" الحقيقية بأبوّة مجازية/سيميائية قد تصل إلى حدّ التفحيل. حتى اللقب قد يدخل في هذه الدائرة لكننا نعفيه الآن من المساءلة والمقاضاة. 
افتتان علي هيبي باللغة القرآنية الأبوية المقدّسة المهيمنة على فضاء اللغة العربية كلها، باعتبارها النموذج المثال، جعله يفصل بالقوّة ما بين الشكل والمضمون. وهما لا يكونان على انفصال بأيّ حال. الافتتان بلغة القرآن إلى حدّ الهيمنة على كثير من قصائد المجموعة، وقصائد المجموعات السابقة، ومحاولة تفريغها من مضمونها المقدّس ليحشو بها مضمونًا أنثويًا مهمّشًا (هو التغزّل). وهكذا صار الحبّ عند علي هيبي بديلا عن المحبوب. إذا كان الحبّ هو مسوّغ الغزل والتغزّل فإن علي هيبي يقلب النمط التفكيري ليصير الحبّ هو غاية التغزّل. فعل الإبدال الحاصل إثر التلاعب بين العلّة والمعلول جعله يحوّل العلّة إلى دين "أسمى من كلّ الأديان" (ص 76).
لا يستطيع أيّ شاعر، لا بمجموعة واحدة ولا بمجموعتين من الشعر، أن يقتل الأب. لكنه يستطيع المسّ بحاجتنا إلى أبويّة أو الشعور بأبويّة تحمي عروبتنا من الانقراض. قتل المرجعية اللغوية هي محاولة تيتيم. واليتم هو حالة صِفرية يفقد فيها الإنسان أصوله مثلما يفقد ماضيه وحاضره. الغريب في الأمر أنّ افتتان علي هيبي بلغة القرآن الكريم هو في أصله حالة انبهار. وليس الافتتان كالانبهار. انقلاب علي هيبي على قداسة القرآن الكريم مسحوب من انبهاره بلغة القرآن الكريم أصلا. وهذه مفارقة مَرَضية، إذا أدركنا أنّ لغة القرآن الكريم حالة عصيّة على التقويض لأنها ليست معجمية مستقلّة عن مدلولاتها كما أشرنا.
قتل المرجعية القداسية، وما تحمله من مخزون ثقافي وحضاري، لصالح حالة من حالات الوهم والسذاجة، هي محاولة بائسة ويائسة لقتل الأب. أقول هي بائسة يائسة، بغضّ النظر عن وجود قصدية مبيّتة أو عدمها، لأنّ الأب لا يُقتل ولسنا بحاجة إلى ذلك. على العكس تمامًا، نحن في أمسّ الحاجة إلى أبوية القرآن الكريم كمرجعية لغوية ومنظومة من القيم والعقائد السمحة به نحاجج أعداء القيم والأخلاق من التكفيريين. لا يُقتل الأب لأنه النسق الثقافي والحضاري الوحيد الذي يجتمع فيه الدال والمدلول. القرآن الكريم هو في نفس الوقت المرجعية الثقافية والحضارية، لكلّ شعوب العرب من كلّ الطوائف والأطياف، الذي تحميه اللغة العربية. بغير العربية يكون القرآن جملة من التكاليف التي تدين بها طائفة ولا تدين بها أخرى. "إنّا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلّكم تعقلون" (سورة يوسف 2). لا يمكن لأيّ شعب من شعوب العرب أن يبني عروبته على غير العربية التي يصونها القرآن الكريم ويحفظها إلى يوم الدين. من هنا، من هنا بالضبط أتحدّث عن أمّة عربية بمفهومها القومي، لكنّ هذه القومية التي حاولت أن تتمرّد على سلطة الديني لن تنجح إلا بالظاهر لا بالجوهر. علي هيبي مفتون باللغة لا بمضمونها ولا بمخزونها الديني الذي صار مرجعية ثقافية وحضارية عامة حتى لغير المسلمين. لا يمكن أن تتعامل مع لغة القرآن كما لو كانت لغة معجمية عذراء. أيّ محاولة لإفراغ لغة القرآن الكريم من شحناتها وحمولتها هي بالمفهوم القومي تهريج "ثقافي".
إن قلت "اقرأ بسم حبّك الذي خلق" جرّدت الآية القرآنية بهذا التغيير "البسيط الساذج"، الذي استبدلت فيه لفظة بلفظة، وقطعتها عن مرجعياتها السماوية بما تحملها من رسالة يتكرّس فيها فعل الخلق منسوبًا لله ربنا محصورًا به مقصورًا عليه. كلّ تعبير تداولي، إن كان من القرآن الكريم أو من غيره، لا بدّ أن يحمل مستحقّات التداول من خطاب وسياق. وكلّ تداول هو تحويل المعجم إلى ملكية خاصة بعد أن كانت عامة في بطون القواميس. التداولية (البراجماتية) اللغوية تسمح بمصادرة الحقّ العام وتحويله الى الحقّ الخاص. وهكذا تستطيع أنت كشاعر أن تحمّل أيّ لفظ من المعاجم معاني خاصة تصير جزءًا من قاموسك الشعري وسمة لاصقة بمشروعك الشعري. أيّ مصادرة إضافية لنفس الحقّ العام لا بدّ أن يتأسّس على إضافة لا محو. هكذا يكون اقتحامك لبعض الايات القرآنية إضافة مخزون تداولي على آخر قائم من قبل يجاور بعضهما بعضًا. السؤال: ماذا يفعلان بفضل هذا التجاور؟ هل يكرّس الواحد الآخر أم ينسخه بعنف؟ حتى في حالة النسخ يظلّ المخزون القديم حاضرًا في الوعي بقوّة انتمائه إلى الثقافة العامة والذاكرة الجمعية. مثلما لا تستطيع أن تفصل الدال عن المدلول هكذا لا تستطيع أن تفصل اللغة العربية عن مرجعيّاتها الدينية الإسلامية.
اللغة القرآنية التي فتنت علي هيبي هي نسق حامل لمخزون فكري وعقائدي. وأيّ فصل سيكون من باب فصل الشكل عن المضمون. وهذا باطل من أساسه. وما هو موروثونا الأدبي والنحوي والبلاغي، وكلّ موروثاتنا الثقافية والحضارية، إن لم تكن حاضنة دافئة للخطاب الإسلامي؟ اقرأ هذا الموروث لتجد فيه من أسماء المسلمين برجالهم ونسائهم وشيوخهم وعلمائهم وشعرائهم وكتّابهم وأيقوناتهم وأماكن سكناهم وفتوحاتهم وتاريخهم الحافل، مرّة أخرى، لأنّ الديني والثقافي والحضاري يتسلّل إلى كلّ أشكال الخطاب فتتشرّب من بعضها البعض. وإن سألت مسيحيًا عاش أو يعيش مع العرب لقال لك بأنه مسيحي عربي أو عربي مسيحي إسلامي الثقافة والحضارة. وهكذا اليهودي الذي عاش أو يعيش مع العرب فهو يهودي عربي يحمل بفعل التجاور الثقافة العربية، والثقافة العربية إسلامية. وأول علامات الجمع بين المركّب القومي والديني هو القرآن الكريم بلغته العربية. القرآن الكريم أول نصّ عروبي. ولهذا السبب لا تستطيع يا علي أن تخلّ بعضو من أعضاء هذا الكيان المركّب. لا تستطيع أن تجرّد الديني من العربي ولا حتى العربي من الديني. هما متعالقان بالفطرة والتراكم. وأنا لا أدّعي، بأيّ حال من الأحوال، بوجوب الديانة بدين الإسلام حين أتحدّث عن تعالق العروبة بالإسلام. أتحدّث عن تعالق الثقافة والحضارة الإسلامية بالعروبة. تستطيع أن تستعيرها لا أن تصادرها من باب الاستعارة التقويضية. أنت لا تستطيع أن تأخذ من القرآن جمال لغته حتى توظفها في سياق معاكس للمعنى القرآني. لا تستطيع مثلا أن تجعل من الفسق نسقًا جماليًا، ولا تستطيع أن تجعل من الزنيم مرادفًا للشهم الأبيّ. لا تستطيع أن تأخذ الجمل والآيات كاملة من سياقاتها العامة لتقزّمها، بشيء من الغضب والتحدّي، في معاني الحبّ الأرضي وإن سمت إلى حدود الحبّ الإنساني، لسبب بسيط هو أنّ القرآن الكريم إنساني.
الاستعارة التفكيكية ترى أنّ المعنى الذي تريد تشكيله لا يتحقّق إلا بلغة من حقل معيّن يصادرها الشاعر بالكامل ليجيّرها للمعنى الجديد. يهدم المستعار منه ليبني المستعار له أو لأجله على أنقاضه. فإن قلت "جاء القمر" وعنيت بالقمر محبوبتك، فإنك بهذه الاستعارة قد استعرت بعضًا من جمال القمر وأبقيت الجمال من نصيب القمر نفسه، فجاءت استعارتك لشيء من جمال القمر مؤقّتة وبعضيّة. بهذا تكون هذه الاستعارة التصريحية "جاء القمر" تمكينية تمكّن المشبّه به من مواصفاته وتثبّتها كحقّ له لا ينازعه فيه أحد ولا المحبوبة نفسها. وهذا النوع من الاستعارات نسق بيعة أو مبايعة يُبايع فيها النموذج المثالي للجمال وتكرّس أبوّته للجمال. علي هيبي بهذه الاستعارة التفكيكية الكبرى الممتدّة على كلّ الديوان جاءت لتصادر الديني السماوي المرجعي وتُحلّ محلّه دينًا جديدًا. ومن هنا ليس افتتان الشاعر بلغة القرآن انبهارًا بالأدوات بل هو افتتان سيميائي. وكلّ حالة سيميائية تقوم على ضدّية الدال والمدلول. وهكذا ليس انبهار علي هيبي بلغة القرآن الكريم انبهارًا بالدالّ، في ذاته ولذاته، بل هو افتتان لحاجات المدلول وهو استبدال الدين بدين. في كلّ قصائده الغرامية يُحيل علي هيبي الى اليومي المتهالك والمتآكل الذي يشكّل دافعًا للسعي إلى الحبّ. وهكذا يكون اليومي المتهالك والمتآكل العلّة والمعلول في نفس الوقت، الوسيلة والغاية بنفس القوّة. هذه الوحدة تجعل العلّة ضرورة لفعل الكتابة لا يمكن محوها. وهكذا بالضبط لا تستطيع أن تُعجب بلغة القرآن وتستدعيها بانبهار وافتتان ثم تسعى إلى إفراغها من شحناتها المرجعية الثقافية.
على أساس هذا التقديم يجب النظر إلى نصّ القصيدة التغزلية في مجموعة "اقرأ بسم حبّكِ" بوصفه حادثة ثقافية حضارية. وحتى يتمّ ذلك لا بدّ من تجاوز الفتنة التي قد توقعنا بها جمالية هذا النصّ. وهو نصّ جميل يعرف كيف يفتن القارئ ويغويه بلغته وبلاغته وتناصّاته وأسلوبه ومجازاته في البقاء في دائرة الأدبي الجمالي. والتجاوز لا يعني القفز على الجماليات لأنّ هذا الأمر قد يعرّضنا إلى خطورة العودة إلى أحضان النقد الواقعي بكلّ أشكاله مع بداية القرن الماضي. التجاوز يعني ضرورة الانتقال من الجمالي إلى المرجعي وهذا الانتقال يتحقّق بتوجيهات سيميائية وأدوات تلائمها. وهكذا لم يعد النصّ الأدبي حالة جمالية فحسب يُقرأ لجماليّاته ورسالاته، وإنّما يُقرأ بوصفه خطابًا حاملا لأنماط تفكيرية مضمرة وأنساق معرفية وثقافية وحضارية عامة. إنّ انبهار القارئ بجماليّات قد يوقعه في فتنة الدرس الشكلي السطحي والمسطّح. وكدت أقع لأنّ قصيدة علي هيبي جميلة قادرة على إيقاظ الفتنة.
الحبّ ربّ (ص 10). ربوبية الحبّ متاحة لأنّ الربوبية لفظة مسموحة للتداول العام خارج موحياتها ومرجعيّاتها الدينية. فتقول "ربّ الأسرة" و"ربّ العملّ" وهي تعني قمّة الهرم مالك المجال. الربّ هو النموذج الأبوي المهيمن في كلّ مجال من مجالات المعرفة. ولأنها متاحة بالتساوي فاللفظة تؤنّث فتقول "ربّة البيت أو المنزل"، "ربّة العمل" وهكذا. تأنيثها يؤكّد انفتاحها وخروجها من دائرة الذكورة وليس الفحولة فقط. بهذا المعنى يكون الحبّ، الذي يؤسّس عليه علي هيبي مجموعته الأخيرة كلها، ربّ العلاقات الإنسانية، ربوبية جامعة حاشدة لكلّ ما له علاقة بالإنسانية. رغم ذلك، لا شكّ في أنّ إسباغ الربوبية على الحبّ لا يخلو من خدش لبعض ملحقات اللفظ من قداسة على النحو الذي نخزنه في أنساقنا الثقافية العامة. ومن هنا أيضًا قوله "صلّ لربّك أي لحبّك ركعة أو ركعتين". والصلاة من الصلة والتواصل، وهي دعوة للوصول إلى الحبّ الحقيقي. ولا ضير في ذلك ولا ضرار. لكنه حين ينتقل إلى قوله "اقرأ بسم حبك الذي خلق" "خلق العشاق من علق" (ص 11)  فإنه ينتقل من تفعيل الشعر لحقّه في جوازات لفظة ربّ وصلاة إلى تجيير آيات بكاملها ومصادرتها وسلخها عن سياقها القرآني المقدّس. وهذا تصعيد لفعل الخدش. والخدش هنا هو تحرّش خطير غير محسوب. الآيتان القرآنيتان "اقرأ بسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق" (سورة  العلق 1 - 2) هما من الآيات الأولى التي نزلت على النبي محمد (ص) تبلّغه الرسالة. وفيهما وصل للربوبية بالألوهية التي تظهر في فعل الخلق، خلق الإنسان. من هنا جاء البيتان في قصيدة علي هيبي محاولة للمسّ بالقداسي على المستوى السيميائي الرمزي. ويستمرّ علي هيبي في هذه القصيدة، بعد أن حاول المسّ بمفهوم الأبوية المقدّسة، ليجعل للمقدّس بديلا، هذا القداسي الذي تشكّلت منه أكبر الأنساق الثقافية الحضارية العربية التي تمتدّ بقوّة إلى يومنا هذا بنفس الزخم والوهج. والبديل الذي يقترحه علي هيبي هو دين جديد أبدي أزلي ستضلّ الإنسانية وتضيع إن هي لم تدن به (ص 12).      
ليس كلّ ذكر فحلا وليس كلّ فحل ذكرًا. إنّ التفريق بين مفهوم الأبوّة المرجعية أو المرجعية الأبوية وبين الفحولة في النقد الثقافي ضروري حتى لا نخلط بين الذكورة والفحولة بالمستوى السيميائي المجازي. إذا كانت الذكورة مفهومًا بيولوجيًا محايدًا فالفحولة هي استغلال الذكورة بأدوات عنيفة دموية لأغراض الهيمنة. استفحل الشاعر في محاولاته لتفريغ لغة القرآن من حمولتها تلك، لكنه كاد يقتل الأب بشكل لا يخلو من عنف. لا شكّ في أنّ تقويض المرجعيّات هو فعل محو للتاريخ والامتداد الحضاري. هذا الخلط بين المقدّس العالي الراقي وبين المتدنّي الأرضي، في نظر الأنساق المهيمنة على أقلّ تقدير، هو تحرّش رمزي بمرجعيّاتنا اللغوية وهي مرجعيات مقدّسة. ولا شكّ في أنّ جمالها نابع اساسًا من قداستها، أي من كونها حاملة لثقافتنا وحضارتنا، من هنا أهميتها بل من هنا جمالها. فصار الجمالي والقداسي حالة واحدة لا تتجزّأ. أيّ محاولة لفكّ الرباط بين الجمالي والقداسي في لغة القرآن لن يكون في صالح المرجعية الأبوية المقدّسة. ونحن في حاجة ماسّة إلى أب وصورة الأب ومفهوم الأبوّة. أيّ محاولة لمحو هذه المفاهيم أو ضعضعتها هو قطع الفرع الذي نجلس عليه في إنتاجيّتنا الثقافية والحضارية. لا يمكن أن تنشأ ثقافة تحوّل وتغيير إلا على أساس الإقرار بمفهوم الأبوّة المرجعية أولا. وأيّ تغيير إذًا لن يكون في تعطيل المفاهيم بل في نزع صفة الفحولة عنها بالتعديل الحذر والمحسوب بما يلائم حاجات كلّ مرحلة. والمراحل تتبدّل وتتبدّل حاجاتها معها.  

(يتبع حلقة أخيرة)

السبت 1/12/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع