البــُربارة في الحكايا الفلسطينية

دينا سليم حنحن


حكاية حقيقية 


 
ولد رشدي في مدينة غزة سنة 1912 ونشأ يتيما، عمل والده ويدعى واصف سابا جامعا لضريبة العشور في الحكم العثماني على غزة، أتقن عدة لغات منها العربية والتركية ونظم الشعر وحفظ الشعر الجاهلي.
كثر أعداء واصف بما أنه يمثل الدولة العثمانية بجباية العشور، وذلك بعد أن تضاعفت الضرائب التي أنهكت العامة والفقراء.
حصل وقد احتفلت العائلة بيوم معمودية(1) الطفل رشدي، وصادف ذلك يوم عيد البربارة(2)، فهو الصبي الوحيد الذي ولد بعد أختين حيث فارق السن كبيرا، صنع أهل البيت في ذلك اليوم أنواعا شتى من الأطعمة والحلويات ومنها حلوى البربارة التي جهزتها (العبدة)(3) من أصول أثيوبية وولدت في بيت آل سابا وأقامت بمطرحهم وقد أثارت حفيظة نساء البلدة اللواتي لم يستطعن صنع ذات الطبق بذات المذاق الطيب، ويقال أن بعض النسوة سرقن مرق البربارة من الوعاء الذي صنعته العبدة ووضعنه في أطباقهن ليتفاخرن بأنهن متفوقات وأكثر مهارة منها، وجرت العادة بأن يخرج المحتفلون بملابسهم التراثية يطوفون بيوت المحتفلين ويعايدونهم بحفنات من البربارة المكونة من حبوب القمح المسلوق والزبيب والسكر.
عاد واصف من رحلته الطويلة إلى غزة وأوثق الحصان بشجرة التوت المعمرة في ساحة الدار، وعندما دخل البيت رأى (العبدة) وهي تشحن البابور بالكاز ومنهمكة بتحضير المزيد من البربارة، شكت محتجة وغاضبة لسيدها عن حادث السطو، سطو الخلطة من قدر النحاس.
تناول الخلطة أصحاب البيت معا فأصيب واصف فجأة بآلام في بطنه، ربما يكون وعاء النحاس قد (جنزر)4 أو الجزء الذي التهمه أصيب بالصدأ، تلوى وتمدد داخل سريره، وعندما أصرت زوجه أفدوكية صائغ إلى إحضار الطبيب، تمنّع بشدّة.
وآخر ما قاله واصف قبل وفاته وردده الجميع من بعده:
- لقد طفت المسافات معلّق على ظهر حصاني ولم أصب بأذى، لا أنا ولا حصاني، وأمضيت عمري على الطريق بين عدو وحبيب، أنا لا أصدّق ما الذي يحدث لي الآن، أشعر بالوهن المفاجيء وكأنني أحتضر فهل هي ساعة الموت فعلا! لا أحد يصدق إنني أكبو الآن في فراش الموت وبهذه السرعة وحتى أنا نفسي لا أصدق الذي يحصل معي، لو شافتني عدوتي معلق على اللوح لتقول عنّي طيب وفييّ الروح! المقصود هو، حتى عدوه الذي يتمنى له الموت لن يصدق أنه بدأ يعاني من سكراته!
توفي واصف بعدها مباشرة جراء سكتة قلبية في ذات اليوم الذي تعمّد فيه طفله رشدي، ولم يغب عن تفكير العائلة هاجس وفاته بالتسميم المتعمد بسبب المهنة التي امتهنها والتي أقحمته بمشاكل كثيرة مع الرعايا الذين تمنعوا من دفع الجزية للحاكم العصملي.
انقلب صوت الفرح إلى أهازيج حزن وطغت على غزة سحابة سوداء ولبس النهار سواد الفقد وتحولت أهزوجة (طيري وهدي يا وزة عَ بلاد غزة يا وزة، قطف العنب بالسلة مقطوف مقطوف)! إلى تداعيات حزن ورثاء، وتعزت النسوة وهن في طريقهن إلى المقبرة بالفقيد الشاب الذي توفي قبل أوانه قائلات: (طير يا طير يا اللي في السّما العالي يا نِجْمة الصبح يا اللي مقابلة داري، إن كان أبو رشدي غدا من حُكم الباري يٍسْلَموا أولاده بدالُه ويْعَمْروا الدارِ!)
ولقيت العبدة مصرعها بعد ذلك مباشرة، حيث ألقيت من على سطح البيت دون أن يعرف عن هوية الجناة.
بعد ثلاث سنوات أمضتهم زوجته في كمد الحزن توفيت هي أيضا وتركت الطفل رشدي بعهدة أختيه، طفل شقي ومتمرد ومشاكس ولم تقو أختيه إلى الإعتناء به ولجمه فألحقتاه في مدرسة داخلية تابعة لبعثة ألمانية في القدس، لكنهما تواصلتا معه كل فترة إما بزيارة إلى القدس أو بإعادته إلى غزة ليمرح مع أترابه خلال الإجازات.
...
(1) المعمودية: طقس مسيحي يمثل دخول الإنسان الحياة المسيحية، وتتمثل المعمودية بغسل المُتعمِد بالماء المصلى عليه ومسح زيت الزيتون المقدس على جبينه.
(2) العبدة: الخادمة أو المساعِدة حسب منطق ذاك الزمان.
(3) جنزر: تأكسد النحاس وتكوّنت مادة الصدأ السامة وأصبح لونه أخضرا.

06/12/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع