مقاهي دمشق بين السياسة والفن

تميم منصور


أغضب الاستعمار!
إلى الشمال من مقهى "الروضة" يقع مقهى "البرازيل" الذي شهد معظم التحولات السياسية التي مرت بها سوريا، فكان خصباً  للنقاش السياسي، مما دفع سلطات الانتداب الفرنسي إلى إغلاقه عدة  مرات، واستمر المقهى إلى ما بعد الاستقلال يراقب التحولات، إذ كان جل رواده من رجال الأدب والسياسة. وعندما أقفل رثاه أحد الشعراء بأبيات شعرية مطلعها  :قف بالطول، وقل يا دمعتي سيلي/أخنى الزمان على مقهى البرازيلي


لعل أقدم مقهى عرف تاريخياً كان في دمشق عام 1530، وكان مكاناً لمناقشة اوضاع الخلافة على ما تقول الروايات التاريخية.
يقول نعمان قساطلي في كتابه "الروضة الغناء في دمشق الفيحاء" أن عدد المقاهي في مدينة دمشق بلغت 110 مقهى في القرن التاسع عشر بين كبيرة وصغيرة، وقد انتشرت في مختلف أنحاء المدينة، وفي أزقتها وحاراتها، من أشهر المقاهي مقهى "السكرية" في منطقة باب الجابية ومقهى "القماحين" الذي كان يقع إلى جانب قهوة السكرية. أما مقاهي الدرويشية والعصرونية والمناخلية جميعها كانت في منطقة الدرويشية. ومقهى الجنينة في منطقة سوق الخيل، ومقهى العمارة في منطقة العمارة ومقهى جاويش في منطقة القمرية ومقهى الرطل في منطقة باب توما.
في كتاب "أسرار دمشق" للكاتب نصر الدين البحرة، يذكر نصر الدين ما كتبه الرحالة الفرنسي "جان تيفينو بعد أن زار دمشق عام 1664، فقد كتب (ان مقاهي دمشق جميلة، ولكن اجمل المقاهي تجده في الضواحي، أي خارج سور المدينة القديم، مثل مقهى "السنانية" ويطلق عليه القهوة الكبيرة لاتساع مساحته، ويزيد من رونقه ذلك العدد الكبير من النوافير الدافقة في بحراتها الكبيرة، بالاضافة لذلك هناك مقهى "باب السرايا" أي باب النصر، وهو أحد أبواب دمشق القديمة، وكان عند سوق الحميدية، وقد هدمه الوالي شرواني باشا عند فتح هذا السوق عام 1868.
كانت المقاهي آنذاك  تهتم بوجود الحكواتي، حيث يأتي الحكواتي كل مساء ليقص على الحاضرين سيرة عنترة بن شداد وأبو زبد الهلالي والظاهر بيبرس.
في منتصف القرن الماضي اشتهر "مقهى الروضة" الذي يقع في شارع العابد قريبا من البرلمان السوري، فقد كان مكاناً ً لسجالات نواب البرلمان ورجال السياسة السوريين، الذين كانوا يرتادونه بعد الانتهاء من جلسات البرلمان ليتحدثوا في الأحوال العامة.
إلى الشمال من مقهى "الروضة" يقع مقهى "البرازيل" الذي شهد معظم التحولات السياسية التي مرت بها سوريا، فكان خصباً  للنقاش السياسي، مما دفع سلطات الانتداب الفرنسي إلى إغلاقه عدة  مرات، واستمر المقهى إلى ما بعد الاستقلال يراقب التحولات، إذ كان جل رواده من رجال الأدب والسياسة. وعندما أقفل رثاه أحد الشعراء بأبيات شعرية مطلعها  :
قف بالطول، وقل يا دمعتي سيلي
أخنى الزمان على مقهى البرازيلي
وكان شعار  رواد مقهى البرازيل "نحن أخوان الصفا وخلان الوفا والحكي بالقفا" يحتل مقهى "الهافانا" مكاناً هاماً في الذاكرة الجماعية للدمشقيين، فقد كان من رواده الأديب محمد الماغوط و الشاعر اسماعيل عامود، شريف الراحداش، الكاتب هاني الراهب وزكي الأرسوزي ومظفر النواب وقد قصده الشاعر بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وأحمد صافي النجفي والشاعر القروي ومحمد مهدي الجواهري وأحمد عبد المعطي حجازي ورجاء النقاش ومن الفنانين المصرين محمود المليجي وفريد شوقي والمطرب عبد المطلب حتى أنهم شبهوه بمقهى الفيشاوي الذائع الصيت في مصر.
ولأهمية المقهى التاريخية والمعنوية والثقافية بما يشكل من ذاكرة لأحداث شهدها باتت تملكه وزارة السياحة السورية، وقد حاول أحد التجار شراءه بغية تحويلة لمحل تجاري إلا أن أحد المثقفين الأوفياء للمقهى قاد حملة دفعت الحكومة الى شراء المقهى والحاقه بوازرة السياحة.
يذكر بعض المؤرخين أن فترة العشرينات من القرن الماضي شهدت ازدهاراً كبيراً للمقاهي الدمشقية، وكان معظمها يقع على ضفاف نهر بردى الذي كان يخترق المدينة بأفرع سبعة، حيث كان شارع بغداد وشارع العابد في وسط مدينة دمشق يغصان بالمقاهي.
من أشهر المقاهي أيضاً التي شهدت ازدهاراً في فترة العشرينات مقهى "اللونابارك" والذي سمي فيما بعد "الرشيد" وقد اشتهر المقهى بكونه مسرحاً صيفياً إضافة إلى تقديمه الأفلام السينمائية أيضاً، وكثيراً ما تحول مسرحه الى منبر للمناسبات الخطابية السياسية والانتخابية، والى جانب مقهى "اللونابرك" كان يقع مقهى الفاروق ومقهى الزهور ومقهى الازبكية.
كثير من الكتاب  كتبوا انتاجهم الأدبي في المقاهي أشهرهم الماغوط، فقد كان يتردد على مقهى "أبو شفيق" القائم على ضفة نهر بردى، وقد اعتاد أن يرتاده كل صباح مشياً على الأقدام، حيث يركن الى قلمه وأوراقه ويكتب، وعندما  أقفل المقهى أبوابه بقي الماغوط مواظباً بالتردد عليه، رغم اقفاله فكان ان تبرع أحد العاملين بالمقهى بالتواجد من أجل تلبية طلباته، وفي هذا المقهى كتب مسرحياته (كاسك يا وطن) و (غربة) وسيناريو فلم الحدود.
وقد تذكر الماغوط مقهى أبو شفيق وهو باريس فكتب (كل شيء فيها، السياسة، الدين، الفن الاقتصاد، يبدو حراً مرناً كراقص بالية، ومتماسكاً كحلقات السلاسل حول أقدام الأسرى، لكن رغم ذلك لم أستطع أن أكتب فيها حتى ولو رسالة، وأحسست أن مقهى أبو شفيق أهم من كل مقاهي الشانزيليزيه، ومقتنيات اللوفر).
يتبع المقاهي في العراق.
 


السبت 5/1/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع