"في فوّهة الجحيم: من المعاني إلى الدّلالات في دلالة الأسماء والشّخصيّات" (2-2)

د. لينة الشّيخ- حشمة


*حلقة ثانية من قراءة نقديّة تحليليّة لرواية "عين الغراب" للكاتب الجزائريّ حسّان أحمد شكاط *


دوافع مادّيّة
الاستعمار حاول أن يروّج لوجود دوافع دينيّة مسيحيّة، إلّا أنّنا نعلم حقّ المعرفة أنّ الدّوافع هي بالدّرجة الأولى والأخيرة دوافع اقتصاديّة مادّيّة ولا علاقة للدّين بذلك، فلماذا هذا التّوجّه؟ هل يحاول أن يتّهم بأنّ هناك هجمة صليبيّة جديدة ذات أهداف دينيّة على الوطن العربيّ؟! لماذا هذا الإصرار على مزج الدّين بمطامع سياسيّة اقتصاديّة مادّيّة؟!  لِمَ كرّر الكاتب هذه المعطيات النّصيّة وجعلها موتيفًا، موضوعًا دالًّا، يجد القارئ نفسه مدفوعًا للتّفكير به.


إذًا فاطمة هي رمز للوطن المشوّه بالسّلطة وقمعها وظلمها، ليمسي الوطن "الأرض اليباب"؛ ففي هذا الزّمن لم يعد الوطن العربيّ ذاك الرّحم الدّافئ، الملجأ، المكان الحميم، بل أصبح مكانًا معاديًا ينخره الخراب والتّخلّف، حتّى بات المواطن يسأل عن مفهوم الوطن، وعن مدى علاقته به. إنّ هذه الأوطان لم تعد تشكّل حماية لأبنائها أو تهتمّ بهم، لذا لم تذرف فاطمة دمعة واحدة على موت ابنها أو اختفاء ابنتها، لم تبحث عن ابنها البكر، كما لم تقم العزاء بعد وفاة زوجها  عيسى الميري. قدّم لها أبناؤها الكثير من المال، تمامًا مثلما يقدّم المواطنون لوطنهم الكثير، لكنّها لم تقدّم لهم الرّعاية أو الحنان أو الاهتمام بتقديم أبسط الحقوق، فعين الغراب لا يذكر أنّها اهتمّت لأمره كثيرًا، ولذا لم ينادها بأمّي ولو لمرّة واحدة، بل كان يتوجّه إليها باسمها فاطمة. حتّى العقوبات الّتي كانت تنفّذها بحقّ أبنائها تؤكّد أنّ فاطمة لا تمثّل نفسها، ولا تمثّل الأمّ في علاقتها مع أبنائها، بل تمثّل علاقة دولة بمواطنيها، فقد كانت تعاقبهم بأساليب التّعذيب الّتي يمارسها السّجّانون في السّجون لمعاقبة المخالفين المجرمين أو المعارضين للأنظمة، كالكيّ بالنّار في كامل أنحاء الجسد أو الحرمان من الأكل يومًا كاملًا أو التّجريد من الملابس في برد الشّتاء، فلا يمكنه أن ينسى يومًا كيف كانت تخضعه لجلسات تعذيب بالكيّ في أماكن مختلفة من جسده عقابًا له لما أنفقه من مال. أمّا هي فاطمة، فقد كانت تنفق كلّ الأموال على الحلي الذّهبيّة الّتي تزيّن كامل جسدها المترهّل. وهذا كلّه يؤكّد أنّها الوطن بسلطته الوطنيّة وظلمها الّتي تسلب المال والخيرات وتحتكرها لنفسها وبالمقابل تجوّع أبناءها فيسرقون ويقتلون ويخطفون الأطفال ليأكلوا ويبحثوا عن خبزهم، ويسلكون طريق الانحراف ليهربوا من واقعهم هذا، ويلجؤون إلى عالم الغيب والسّحر والشّعوذة علّها ترزقهم مالًا وسعادة وبعض حياة.
إنّ حضور الحكّام الطغاة- كفاطمة- هو الّذي يسلب الحياة ويخزق العيون فيعميها حتّى لا ترى ما حولها فتصبح أعينًا ضريرة غارقة في ظلمة اللّيل الأبديّ (عين الغراب)، ولأنّها تعيش في سواد- ولنتذكّر لون الغراب الأسود- لن تستطيع رؤية النّور. إنّ الطغاة هم الّذين يحوّلون بني البشر إلى غربان تنهش بعضها، إلى عميان لا يبصرون المحبّة في نفوسهم لأنهم جياع إلى الخبز والحياة،  فيكفرون بالأخلاق والقيم والإنسان، يكفرون بكلّ شيء.
أمّا عيسى الميري، فيصفه الرّاوي: "لا عائلة له"، "متشرّد"، "سكّير"، منحرف"(ص 15)، "ربته الشّوارع والحانات"، "اكتسب لقب الميري من عالم الإجرام والسّجون"، "يتّصف بالنّذالة وانعدام المسؤوليّة"، "عنيفًا للغاية ومتقلّب المزاج"، "غاب طويلًا عن عائلته"، "يوصف بقلّة الحضور والغياب الطّويل جدًّا جدًّا" (ص 131-132). تعرّف إلى فاطمة حين أنقذها من يدي رجل حاول مغازلتها، فجمعتهما منذ تلك اللّحظة علاقة حبّ دامت سنوات طويلة، أنجبا خلالها ثلاثة أبناء خارج إطار الزّواج، وقرّرا أخيرًا الارتباط، ساءت العلاقة بينهما، حتّى قتل على يد شخص مجهول بعد أيّام قليلة من إنجابها آخر أبنائها عين الغراب (ص 15)، (علمًا أنّ الكاتب كان قد ذكر في موضع آخر من الرّواية  أنّ "عين الغراب" حين كان طفلًا يخطو خطواته الأولى كان قد شاهد حادثة ظلّت راسخة في الخيال، هي حادثة تعذيب والده عيسى الميرى لرجل جرّه إلى بيتهم، وأخذ يعذّبه ساكبًا على ركبتيه الماء المغليّ لأنّه وجد بحوزته صورة لفاطمة معه" (ص 132-133)؛ فنتساءل: كيف يذكر الكاتب أنّ عيسى الميري يموت بعد أيّام قليلة من إنجاب فاطمة لعين الغراب في موضع، وفي موضع آخر  يسرد لنا الرّاوي ما ظلّ راسخًا في ذاكرة عين الغراب من هذا المشهد؟! هل يعقل أنّ طفلًا في أيّامه الأولى من حياته يبصر ويعي ما يبصره ثمّ يتذكّره؟ لا شكّ أنّ هذا يدلّ على ضعف في الحبكة، وعلى إحدى تناقضاتها الّتي سنذكرها لاحقًا).
وبعد كلّ هذا الوصف، نتساءل عن قصد الكاتب بعيسى الميري؟ وما هو معنى "الميري"؟ تعني "الميري" باللّغة التّركيّة "الضّريبة"، حيث كانت ضريبة "الميري" في لبنان والشّام تعني الضّريبة الّتي فرضت على الأراضيّ الأميريّة في العهد العثمانيّ، و"مير" في اللّهجة اللّبنانيّة  هو التّعبير العاميّ لكلمة "أمير" بالعربيّة الفصحى. أمّا في اللّهجة المصريّة فتعني البدلة الرّسميّة: "فلان يلبس ميري أي يلبس بدلة عسكريّة رسميّة" أو اللّباس الرّسميّ، أو الشّخص الّذي يلتحق بالخدمة العسكريّة.  ولقد شرحها الكاتب يوسف زيدان في كتابه "كلمات.. التقاط الألماس من كلام النّاس" (2011)، فيقول: "كانت عمليّة نزع القمح من مصر وإرساله إلى روما أو القسطنطينيّة تعرف قديمًا باسم عمليّة نقل الميرة، وهي على الأرجح كلمة فارسيّة قديمة تعني القمح. ولأنّ نقل القمح (الميرة) كان يتمّ تحت إشراف جنود الحامية الرّومانيّة، اقترن الجيش في أذهان المصريّين بالميرة، وصار الّذي يلبس الزّيّ الرّسميّ للجيش يقال إنّه يرتدي "الميري" (ص 75- 77). ولعلّ ربط الميرة/ القمح بالجنود الرّومان  في تلك الفترة هو ما انتشر في اللّهجة الجزائريّة أيضًا ليدلّ على من يلبس الزّيّ العسكريّ.
فإذا افترضنا أنّ الاسم "الميري" له دلالة عثمانيّة فما علاقة عيسى بالعثمانيّين؟ كيف يمكن أن نربط "الميري" مع "عيسى"؟ إنّ عيسى ليس اسمًا خاصًّا بالعثمانيّين ولا يحمل أيّة دلالة خاصّة توحي بهذا المعنى. ومن جهة أخرى، إذا افترضنا أنّه يرمز لمن يلبس بدلة عسكريّة، فمن هو المقصود بذلك؟ هل يقصد جيشًا معيّنًا؟ ثمّ ما معنى هذا الرّبط بين "عيسى" و"الميري"؟ أيّة علاقة قد تربط بين الاسمين؟ إنّ الرّبط الوحيد المعقول بين الاسمين والّذي له ما يؤكّده في الواقع، وهو التّفسير المنطقيّ  الأقرب لدينا هنا،  أنّه  "عيسى ابن مريم "، فميري مشتقّ من اسم "مريم" وهو صيغة من صيغه. و"عيسى ابن مريم" هو المسيح؛ هو اسم المسيح الوارد في القرآن، والاسم الشّائع عند المسلمين. إذًا، لا بدّ للقارئ أن يتساءل: لماذا "عيسى ابن مريم" بالذّات؟!
لقد ذكرت سابقًا أنّ التّوجّه السّيميائيّ ينفي العفويّة على النّصّ الأدبيّ. وهنا، وللأسف، يفرض عليّ هذا النّصّ، ولا يترك لي المجال إلّا أن أفكّر بأنّ الكاتب قد قصد بإحدى دلالات هذا الاسم المنحى الدّينيّ، ويعني به "عيسى الميري المسيحيّ". وهذا يرشد القارئ إلى أبرز المفاتيح الضّروريّة في تأويل هذه الدّلالة، والّذي أصرّ الكاتب على تكرارها، بأنّ "عيسى الميري" تزوّج "فاطمة الوعلاجيّ" بعقد مدنيّ، وأنّهما قد أنجبا خارج الزّواج ثلاثة أبناء ثمّ تزوّجا بعقد مدنيّ. فنتساءل: لو أراد به شخصًا مسلمًا اسمه "عيسى" مثلما يسمّي المسلمون أبناءهم، لِمَ تزوّجا بعقد مدنيّ ولم يتزوّجا بعقد قران شرعيّ كما ينصّ الدّين الإسلاميّ؟ ولِمَ ينجبان ثلاثة خارج الزّواج؟ لِمَ يصرّ الكاتب على هذه المعلومة؟  ليس  من باب الصّدفة كان هناك هذا التّركيز على الزّواج بعقد مدنيّ وبإنجاب ثلاثة خارج الزّواج، لنتساءل: هل هذا ما يريده الكاتب؛ أن يمنح بعدًا دينيًّا لدلالته؟ لا يمكن للكاتب أن يدّعي بأنّه منح اسم "عيسى الميري"  لهذه الشّخصيّة صدفة وبشكل عفويّ ودون أن يرمي من ورائها رسالة أو مقولة يريدها تتعلّق بهذا المنحى الدينيّ. ثمّ، إذا حاولنا الرّبط بين ما ذكرناه سابقًا من معنى الميري: البدلة العسكريّة مع معنى عيسى ابن مريم المسيحيّ، فإنّنا قد نصل إلى الدّلالة الأقرب منطقيًّا لربطها مع فاطمة الوعلاجيّ، ونقصد هنا أنّ عيسى الميري هو الاستعمار الفرنسيّ على الجزائر حيث حاولت فرنسا، والّتي كانت تطمح إلى استعمار الجزائر ، التّرويج بأنّها حامية للدّين المسيحيّ مقابل الدّولة العثمانيّة الإسلاميّة الّتي كانت الجزائر تتبع لها كباقي الدّول العربيّة، وأنّ انتصارها على الجزائر هو بمثابة انتصار للمسيحيّين على المسلمين، إلّا أنّ الأطماع الفرنسيّة تمحورت بالدّرجة الأولى حول غنائم مادّيّة اقتصاديّة سعيًا للسّيطرة على خيرات الجزائر وسلبها. ثمّ ما معنى أنّه أنقذها وأنّهما تزوّجا بعد علاقة حبّ؟ إنّ هذا يؤكّد ما توصّلنا إليه حول العلاقة بين فاطمة/ الجزائر  وبين عيسى الميري/ الاستعمار الفرنسيّ، أي نقصد أنّ الجزائر بسلطتها كانت قد تحالفت مع فرنسا قبل الاستعمار(الزّواج)، حيث تمكّنت فرنسا من توطيد علاقاتها الدّبلوماسيّة مع الدّولة الجزائريّة، الأمر الّذي وسّع دائرة مطامعها في البلاد، لتركّز أنظارها على الخيرات الاقتصاديّة مبرمة اتّفاقيّات كثيرة معها. وهذا ما يؤكّده معطًى آخر في النّصّ ويفسّره، وهو  إعجاب عيسى الميري بفاطمة المرأة (الإعجاب بخيراتها في البعد السّياسيّ)،  لتجمعهما علاقة حبّ دامت سنوات طويلة أنجبا خلالها ثلاثة أبناء  قبل الزّواج، وعين الغراب بعد الزّواج بعقد مدنيّ، حتّى ساءت العلاقة بينهما (هذه إشارة إلى احتلال فرنسا للجزائر بعد حدوث أزمة كبيرة بين الدّولتين انتهت بحادثة المروحة ثمّ الحصار البحريّ، وأخيرًا الاحتلال الفعليّ)، حيث بدأ يغيب عن البيت ويحضر في فترات متباعدة لينال منها مبلغًا من المال (الاحتلال) (ص 99- 100)، حتّى قتل وتخلّصت منه (إنهاء الاحتلال).
أمّا علاقة ذلك بعين الغراب، فعين الغراب هو الابن الشّرعيّ، النّتيجة الحتميّة لهذا الاستعمار، ولهذا نعود لنذكّر بما ذكرناه سابقًا بأنّ عين الغراب كان يشبه والده في كثير من الصّفات. إنّ عين الغراب هو قبح الشّكل والفعل والسّلوك الّذي من الممكن أن يتكوّن في داخل النّفس البشريّة بعد طول الاحتلال والاستعمار والنّهب والقتل والعنف. فماذا سيلد الاستعمار غير هذا  المشوّه مثل عين الغراب (الاستعمار الفرنسيّ = عيسى الميري) والقمع (قمع فاطمة واستبدادها = الحكومة الجزائريّة الّتي تآلفت مع المستعمر ظنًّا منها أنّه "سوبرمان الأسطوريّ" ص 132، "المنقذ الّذي أنقذها من رجل آخر"(دولة طامعة أخرى)، فغاب عنها ما يخفيه من مطامع استعماريّة تّجاهها، أو لعلّه يقصد: إنّ الحكومة الوطنيّة القامعة هي حكومة مستعمرة لبلدها وشعبها.
أمّا المعطى الآخر هو الحدث الّذي سرد في الرّواية حول معرفة عيسى الميري بأمر صورة قديمة لزوجته فاطمة  مع  صديق لها من أصدقائها المنحرفين منذ أن كانت تعمل في الحانة، حيث التهبت نيران الغيرة  في قلب الميري- وهو الّذي لم يكن يهتمّ بفاطمة بعد الزّواج منها- فأتى بالرّجل إلى البيت وأخذ يعذّبه عذابًا شديدًا مهدّدًا حياته بالموت، فحاول الرّجل أن ينفي أيّة علاقة تربطه بفاطمة بعد أن ارتبطت بعيسى الميري(ص 132-134). ولعلّ هذا الرّجل الّذي غضب منه عيسى الميري ليس إلّا أحد الدّول المتعدّدة الطّامعة في احتلال الجزائر، ولعلّها الأطماع البريطانيّة على وجه الخصوص. فغيرة عيسى الميري (الاستعمار الفرنسيّ) كانت بسبب الخوف على مصالحه الاستعماريّة من منافسة أيّة دولة أخرى قد تنازعه على استعمار الجزائر. أمّا المعطى الآخر والّذي يؤكّد أنّ عيسى هو الاستعمار ولا يمثّل نفسه هو أنّها لم تقم أيّامًا للعزاء حين مات مقتولًا، خلافًا للعادة المعروفة حين يتوفّى أحد ما. والقتل هنا يشير إلى التّخلّص من الاستعمار الفرنسيّ، والّذي قد تمّ بعد ثورة التّحرير، "قُتل" ولم يمت ميتة عاديّة. وهكذا فإنّ متابعة الشّخصيّة  في النّصّ السّرديّ في محصّلة علاقاتها العامّة والمتداخلة والمتقاطعة مع بقيّة معطيات النّصّ واعتبارها سيميائيّة تمثيليّة هو ما يؤكّد هذه الدّلالة. وبناء على هذا لا يمثّل عيسى الميري نفسه.
لم أكن لأخالف الكاتب فيما قدّمه من دلالة حول فظاعة الاستعمار الفرنسيّ وشراسة سلبه لبلد خلال سنوات طويلة جدًّا، محتلًّا ليس الأرض فقط، بل الإنسان وكلّ ما فيه من مقوّمات الحياة الكريمة. لكنّي أختلف مع الكاتب فيما أخذ إليه نصّه من منحى دينيّ باستخدامه لاسم "عيسى الميري" تحديدًا دون غيره من الأسماء، وبمثل هذه المعطيات الّتي قدمها، والّتي أرفضها لتداعياتها ولما تحمله من أفكار، وأقصد هنا استخدام عيسى الميري، عيسى ابن مريم، للدّلالة على الاستعمار الفرنسيّ الغربيّ للجزائر، وهذا الرّبط بين هذا الاستعمار والدّين المسيحيّ. فإن كان هذا الاستعمار قد حاول أن يروّج لوجود دوافع دينيّة مسيحيّة، إلّا أنّنا نعلم حقّ المعرفة أنّ الدّوافع هي بالدّرجة الأولى والأخيرة دوافع اقتصاديّة مادّيّة ولا علاقة للدّين بذلك، فلماذا هذا التّوجّه؟ هل يحاول أن يتّهم بأنّ هناك هجمة صليبيّة جديدة ذات أهداف دينيّة على الوطن العربيّ؟! لماذا هذا الإصرار على مزج الدّين بمطامع سياسيّة اقتصاديّة مادّيّة؟!  لِمَ كرّر الكاتب هذه المعطيات النّصيّة وجعلها موتيفًا، موضوعًا دالًّا، يجد القارئ نفسه مدفوعًا للتّفكير به.
إن كنت أيّها الكاتب تقصد بأنّ ويلات الشّعوب العربيّة في قسم منها يعود إلى الاستعمار السّياسيّ الغربيّ ذي المطامع الاقتصاديّة، فسمّ اسما آخر غير "عيسى الميري"، استبدله باسم أجنبيّ آخر دون إيحاءات دينيّة، حتّى لا تفسّر بأنّك توجّه إصبع اتّهام يشبه اتّهام من يروّج أنّ هناك حملة صليبيّة جديدة، وأنّ ما يحدث من علاقات بين الدّول العربيّة والغرب ما هو إلّا هجمة مسيحيّة جديدة على المسلمين، (وهذا يتوافق مع التّفسير الّذي اقتبسناه من  كتاب الكاتب يوسف زيدان والرّبط بين الميرة/ القمح وجنود الرّومان)، متغافلًا عن المطامع السّياسيّة الحقيقيّة، مركّزًا على الجانب العاطفيّ عند الشّعوب المحافظة وذلك حين يحصر المسألة بدوافع دينيّة؛ وحتّى لا تتّهم بأنّك تتّهم المسيحيّين بالانحراف والرّذيلة والخراب بإصرارك على تكرار أوصاف مثل: "سكّير منحرف يرتاد الحانات" وربطها بشخصيّة تحمل هذا الاسم الدّينيّ. فإن سُمح للمسيحيّين بالقليل من الخمر فإنّ هذا لا يعني أنّه دين يدعو إلى السّكر والانحراف.  حتّى تكرارك للفكرة إنجاب ثلاثة دون زواج كانت فيه مقولة ما؛  كأنّ هذا ما تدعو إليه المسيحيّة؟! إنّ المسيحيّة ترفض الزّنا، كما ورد في الوصايا العشر: "لا تزنِ"، ولعلّ هذا يدلّ على الخلط بين مفاهيم ثقافيّة اجتماعيّة يعيشها الغربيّون في الغرب، فيعيشون معها متصالحين، فاصلين الدّين عن الحياة الدّنيويّة والدّولة، محترمين حرّيّات الآخرين وحقوقهم، وبين ما ينصّ عليه الدّين كدين. إنّ الخطأ هنا، برأيي، استخدام هذا الاسم تحديدًا، خاصّة في ظلّ  ازدياد التّطرّف والتّعصّب الدّينيّ، وفي ظلّ التّيّارات الإسلاميّة المتشدّدة المتطرّفة، والّتي تجد ما يغذّيها من جهل وحرمان وفقر في الوطن العربيّ، ويفتح لها آفاقًا رحبة ليعيثوا فسادًا في الأرض وما تبقّى من أشلاء أوطان من جهة، ولتحتفي بها الأنظمة لأنّ المواطن العربيّ الجائع إلى الحياة والخبز والكرامة سيلتهي بها ويبتعد عن طلب حقوقه من جهة أخرى.
إنّ مشكلة العربيّ ليست مع المسيحيّة والمسيحيّين، مشكلة العربيّ مع الاستعمار الغربيّ بأهدافه السّياسيّة لا الدّينيّة، فكيف يكون المسيحيّ مشكلة وهو جزء لا يتجزّأ من الوطن العربيّ، العربيّ في قسم منه هو  المسيحيّ، وهو جزء لا يتجزّأ منه.  إنّ القوميّة العربيّة لا تشمل المسلمين فقط، بل هي تشمل المسيحيّين والدّروز. وشتّان ما بين القوميّة والدّين، وبين التّديّن والدّين. فلنترك الدّين وليبق في إطار الاعتقاد الشّخصيّ وحرّيّة العقيدة! فلنتركه حتّى لا نفترق ولا نفرّق! فلنتركه بعيدًا عن أيّ عمل سياسيّ! لنفصل الدّين عن الدّولة والسّياسة، وليمارس كلّ شخص حرّيّة عقيدته وإيمانه كما يشاء، ودون أن يؤذي الآخر المغاير له. فطالما أنّه لا أحد منّا يختار حين يولد:  لا والديه، ولا دينه، ولا مكانه، ولا زمانه، ولا اسمه الشّخصيّ حتّى، فلماذا يشعر البعض بأفضليّة على غيرهم المختلفين دينًا؟ ليس لإنسان أفضليّة على غيره إلّا بأخلاقه وأفعاله، وما كسبت يده، وما قال لسانه، وما فكّر وعيه.  إنّ الشّرّ في نفوس البشر، أمّا الدّيانات فجاءت بهدف تقويم بني البشر ونزع الشّرّ من نفوسهم والدّعوة إلى المحبّة والرّحمة والتّسامح، فلا يكون المسيحيّ شرّيًرا لأنّه مسيحيّ، ولا يكون المسلم شرّيرًا لأنّه مسلم، بل لأنّه إنسان، لأنّ نفسه الإنسانيّة نزعت منها الخير واستبدلته بالشّرّ. ولذا، أتمنّى حقيقة أن يكون النّصّ بهذا المعطى قد أفلت من قبضتك فحمل معاني لم تردها ولم تقصدها.
أمّا على صعيد الأسلوب والشّكل فإنّ عين الغراب هي رواية تستفزّ القارئ مثلما تستفزّه على صعيد المضمون. لقد تحدّث الشّكليّون الرّوس عن الفرق بين الحكاية، وهي مادّة النّصّ ومضمونه، وبين الحبكة وهي أدوات الحبك والرّبط، وهي الأدوات الفنّيّة والأسلوبيّة والبنيويّة والبلاغيّة الّتي يوظّفها الكاتب ليجمع بها الحدث إلى الحدث، أو الجملة إلى الجملة، أو الشّخصيّة إلى الشّخصيّة. وللأسف عين الغراب كانت ركيكة الحبكة إلى حدٍّ ما، ضعيفة، وكنّا قد أشرنا إلى معطى نصّيّ أورده الكاتب بشأن موت عيسى الميري كان قد أظهر هذا الضّعف في الحبك  والرّبط. كما أنّها كثيرة الأخطاء بشكل مستفزّ، فما لا يقلّ عن مئة وستّة أخطاء لغويّة وإملائيّة ونحويّة، كأخطاء في كتابة الهمزة، تعريف كلمة غير، عدم حذف حرف العلّة عند الجزم، تنوين الممنوع من الصّرف، هذا عدا العبارات الرّكيكة غير التّامّة وبصياغة ضعيفة، ثمّ ضعف التّسلسل والتّرابط المنطقيّ  بين فكرة وأخرى، ثمّ تكرار عدد من العبارات والأفكار على طول الرّواية، إضافة إلى تكرار استخدام  كلمة "جدّ" بتأثير اللّغة الفرنسيّة في موضعها غير المناسب، فبدلًا من أن يكتب: "مناسب جدًّا"، "وفيرة جدًّا"، كتب: "جدّ مناسب"، "جدّ وفيرة"، وهذه الصّياغة تكرّرت مرّات كثيرة، وغيرها من الملاحظات والأخطاء. ولذا تحتاج الرّواية إلى تنقيح ومراجعة ضروريّة أخرى.  



*** نصّ المداخلة الّتي ألقيت في حيفا بتاريخ 13.12.2018 في نادي حيفا الثّقافيّ.

السبت 5/1/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع