رواية واقعيَّة اجتماعيَّة فلسفيَّة: تشكُّل النَّصِّ السَّرديّ في "حضرة المحترم" (5)

محمَّد خليل


ناقدة بامتياز
تعدُّ رواية حضرة المحترم، بمنظور ما، رواية ناقدة بامتياز، وعلى المستوى الاجتماعيِّ والسِّياسيِّ والأيديولوجيِّ على حدٍّ سواء! إذ إِنَّها تُعنى بنقد الموظَّف الفرد والنِّظام الاجتماعيِّ والنِّظام السِّياسيِّ، والنِّظام الإداريِّ، وتلامس الصِّراع الطَّبقيَّ! وَذٰلِكَ لأجل خطَّة تنمويَّة عمادها التَّغيير والإصلاح والنُّهوض والتَّقدُّم في بنية المجتمع، جنبًا إلى جنب ما تتمتَّع به من جرأة في الموضوعات الَّتي تعرض لها، والأسئلة الَّتي تثيرها!

 

• حداثة الرِّواية
تحتفي الرِّواية بالحداثة في بعض تجلِّياتها كما تبدَّى لنا ذٰلِكَ على امتداد الرِّواية مثال ذٰلِكَ: ابتعاد الرِّواية عن الأسلوب التَّقليديّ النَّمطيّ في الحبكة والوصف وما إلى ذٰلِكَ، وجعلها بنية ثقافيَّة معرفيَّة في الفكر والثَّقافة والفلسفة والاجتماع والاقتصاد والسِّياسة، عن طريق المحاكاة السَّاخرة. مع اهتمام الكاتب بانفتاح النَّصِّ، بغية تحقيق أكبر قدر ممكن من التَّشويق والمتعة والدَّهشة والقلق لدى القارئ.
كَذٰلِكَ، يلحظ القارئ اهتمام الرِّواية بأن تجعل الإنسان "عثمان بيُّومي" ومشاغله وهمومه في المحور أو المركز وليس اللَّامركز، بمعنى التَّمركز حول الإنسان وهمومه، هٰذا من جهة. كَذٰلِكَ، التَّركيز على إشكاليَّة الانعزاليَّة أو الفرديَّة، وَهٰذا ما يلحظه المتابع لدى بطل الرِّواية "عثمان بيُّومي" من خلال سلوكيَّاته وأفكاره وأحلامه. لقد بالغ "عثمان بيُّومي" كثيرًا في التَّماهي مع حلمه بالوصول إلى منصب "المدير العام" لدرجة أَنَّهُ اختزل نفسه والعالم من حوله في ذٰلِكَ الحلم. ولم يعد يرى نفسه إِلَّا من خلال حلمه هٰذا. ففي منظوره هو الحلم والحلم هو. حَتَّى سلوكيَّاته وتصرُّفاته كلّها أصبحت خاضعة لحلمه وبوحي منه، ولم يتوقَّف الأمر عند ذٰلِكَ الحدِّ! إِنَّما راح يتمادى في عشق نفسه وإعجابه بها، لدرجة قد تبلغ أحيانًا حدَّ النَّرجسيَّة. إِنَّهُ لا ينتمي إِلَّا إلى نفسه، ذاتيُّ النَّزعة وأنانيُّ السُّلوك. يقول معترفًا: "وأنا أعترف بأنَّني رجل أنانيٌّ... أنانيٌّ بكلِّ معنى الكلمة" (ص99). أيضًا لا يتردَّد في استخدام شتَّى الطُّرق ومختلف الوسائل الممكنة أو المتاحة لدوافع المصلحة الذَّاتيَّة فمن وجهة نظره، لا تعلو على مصلحته مصلحة، أو كأن يتنكَّر لأيِّ قيمة اجتماعيَّة أو إنسانيَّة فنراه يضحِّي بالصَّداقة، والحبِّ، وتكوين الأسرة، والإنجاب وإن كان قد تزوَّج مرَّتين بعد تردُّد ومماطلة، لاعتقاده بِأَنَّ تلك معوِّقات يمكن أن تعترض طريق طموحه، وتحول بينه وبين الوصول إلى هدفه المنشود حسب رأيه، وعملًا بالمبدأ المكيافيلِّي: الغاية تبرِّر الوسيلة.
كَذٰلِكَ يتبنَّى الكاتب فنَّ السُّخرية في الرِّواية على نحو لافت، وتعدُّ السُّخرية السِّلاح الأقوى في يد الرِّواية حيث تنصبُّ في معظمها على بطل الرِّواية "عثمان بيُّومي" تقريبًا، فالسُّخرية مظهر من مظاهر الحداثة أيضًا. وهي في الأغلب سخرية ناقدة لٰكِنَّها في حقيقتها هادفة، تهدف إلى الإصلاح، إصلاح الفرد والمجتمع على حدٍّ سواء، وكشف وتعرية الأنماط السُّلوكيَّة لشخوص الرِّواية.
ثمَّة جانب حداثيٌّ آخر يمكن الإشارة إليه وهو توظيف الكاتب للأسطورة. إِنَّ استدعاء التَّوظيف الأسطوريِّ في الرِّواية يكشف عن قيمة الوظيفة الدَّلاليَّة والجماليَّة في سياق النَّصِّ. وأعني توظيف النَّار في متن الرِّواية، وهو ما يحيل على أسطورة النَّار المقدَّسة لبروميثيوس، النَّار الَّتي أضاءت على ما حولها وفجَّرت الإبداع لدى البشر، فالنَّار الَّتي تشتعل في داخل "عثمان بيُّومي" باستمرار هي ذاتها الَّتي أضاءت له معنى الحياة، لنقرأ "لِذٰلِكَ اشتعل وجدانه وغرق في انبهار سحريٍّ" (ص5). وذات مرَّة نسمعه وهو يخاطب الرَّبَّ قائلًا "إِنِّي أشتعل يا ربِّي!" (ص7). ويضيف الرَّاوي قائلًا: "النَّار ترعى روحه من جذورها حَتَّى هامتها المحلِّقة في الأحلام... كان دائمًا يحلم ويرغب ويريد وَلٰكِنَّهُ في هٰذِهِ المرَّة اشتعل وعلى ضوء النَّار المقدَّسة لمح معنى الحياة" (ص7). وهو في هٰذا وذاك أشبه ما يكون بالفراشة الَّتي تحترق حين تحاول أن تخترق المحال باقترابها من النَّار. كذا مصير من يحاول الاقتراب من سدرة المنتهى فَإِنَّهُ يموت، وَهٰذا ما حدث بالفعل مع "عثمان بيُّومي" في إصراره على الوصول إلى منصب "المدير العام" على سبيل المثال لا الحصر.
في سياق متَّصل، تجدر الإشارة إلى الحالة الصُّوفيَّة(36)الَّتي تظلِّل أجواء الرِّواية في بعديها الرُّوحيِّ والمادِّيِّ، من حين لآخر! مثال ذٰلِكَ التَّدرُّج في سلَّم التَّرقية الوظيفيِّ، قد يشبه التَّدرُّج الصُّوفيَّ، أو الرَّتب الصُّوفيَّة، وهي ترقِّي المريد من درجة إلى أخرى! يقول السَّارد "هٰذِهِ هي القوَّة المعبودة وهي الجمال أيضًا. هي سرٌّ من أسرار الكون، على الأرض تطرح أسرار إلٰهيَّة لا حصر لها لمن له عين وبصيرة" (ص9)! كَذٰلِكَ، لا بدَّ مرَّة أخرى، من إشارة إلى اشتعال النَّار لدى "عثمان بيُّومي". إِنَّهُ اشتعال اليقين في الذَّات الصُّوفيَّة الَّتي فرض عليها أن تواجه الحياة بكل تجلِّياتها! إِنَّ هٰذا الاشتعال هو ما يَعرِف به الصُّوفيُّ ويُحب، ومن دونه لا يمكنه أن يَعرِف أو يحبَّ! كَذٰلِكَ:، يخبرنا السَّارد عن حال "عثمان بيُّومي" قائلًا: "ما أحوجه إلى أنيس في هٰذا الكون المكتظِّ بملايين الأكوان" (ص59). فأنيس وأنس اسم طالما يتكرَّر في روايات نجيب محفوظ، وهو من عالم الصُّوفيَّة(37). كَذٰلِكَ قوله عن نفسه: "آمنت بِأَنَّ القلب خير دليل" (ص85)! ويعدُّ القلب المصدر الأوَّل للمعرفة والإيمان لدى المتصوِّفة إذ يقدِّمونه على العقل. أيضًا، تعدُّ المناجاة تيمة أو سمة بارزة من سمات المتصوِّفة(38). يقول: "عثمان بيُّومي" مناجيًا ربَّه "أسألك اللَّهمَّ العفو والسَّماح" (ص58). كَذٰلِكَ قوله: "اغفر لي ذنبي إنَّني أحبُّ المجد الَّذي بثثت حبَّه في نفسي يا ذا الجلال" (ص58). مرَّة أخرى يقول "اغفر لي أفكاري يا ربِّ إِنَّها قاسية مثل الحياة، وهي جزء منها ليس إِلَّا.."
(ص130).
وقد تستوقفنا قدريَّة وهي تخاطب "عثمان بيُّومي" فنقرأ "فقالت هازئة: أنت الثَّور الَّذي يحمل الأرض على قرنيه" (ص43). وتفيد تلك الأسطورة بِأَنَّ الأرض موضوعة على ظهر ثور أو على أحد قرنيه، وعندما يحرِّك الثَّور رأسه يُحدِث زلزالًا، وتلك أسطورة(39) لم يرد في إثباتها دليل ولا أصل يُحتجُّ به، لا من القرآن الكريم ولا من السُّنَّة النَّبويَّة، بل إِنَّ بعضهم يعدُّها من الإسرائيليَّات(40).
• رواية ناقدة
تعدُّ رواية حضرة المحترم، بمنظور ما، رواية ناقدة بامتياز، وعلى المستوى الاجتماعيِّ والسِّياسيِّ والأيديولوجيِّ على حدٍّ سواء! إذ إِنَّها تُعنى بنقد الموظَّف الفرد والنِّظام الاجتماعيِّ والنِّظام السِّياسيِّ، والنِّظام الإداريِّ، وتلامس الصِّراع الطَّبقيَّ! وَذٰلِكَ لأجل خطَّة تنمويَّة عمادها التَّغيير والإصلاح والنُّهوض والتَّقدُّم في بنية المجتمع، جنبًا إلى جنب ما تتمتَّع به من جرأة في الموضوعات الَّتي تعرض لها، والأسئلة الَّتي تثيرها! وبالوقت نفسه، عمق الرُّؤية الثَّاقبة والتَّفكير والنَّظر، فالأدب الجيِّد هو الَّذي يثري النِّقاش ويثير التَّساؤلات لا الَّذي يقدِّم الإجابات! وفي المقابل، الحثُّ على البحث عن آفاق جديدة، وطرائق بديلة وحلول مبتكرة، بغية تغيير الواقع أو تحسينه في أقل تقدير. فالرِّواية تنتقد واقعًا اجتماعيًّا مؤلمًا، ينوء تحته بالأساس أبناء الطَّبقة الوسطى. إذ كيف يحدث دائمًا بأن لا يصل أبناء الطَّبقة الوسطى إلى الوظائف المتقدِّمة والمناصب العالية؟ لٰكِنْ واقع الحال يثبت أَنَّ السَّبب واضح وبسيط: إِنَّها الواسطة، والمحسوبيَّة، والنِّظام الإداريُّ الفاسد. هٰكَذا هو واقع الحال بالنِّسبة لـ "عثمان بيُّومي" كما يقول الرَّاوي: "إِنَّهُ لا يملك سحر المال، ولا يتمتَّع بامتيازات الأسر الكبيرة، ولا قوَّة حزبيَّة تسنده، وليس من الَّذينَ يرتضون أن يؤدُّوا دور البهلوان أو العبد أو القوَّاد. إِنَّهُ واحد من أبناء الشَّعب التَّعيس الَّذي عليه أن يتزوَّد بكلِّ سلاح، ويتحيَّن كُلَّ فرصة، ويتوكَّل على الله" (ص36-37). كَذٰلِكَ قوله: "أَمَّا الوكيل الأوَّل للإدارة فترقَّى بفضل زوجته، أو أسرة زوجته وهو الأصحُّ" (ص41). كَذٰلِكَ، قوله في حال التَّقدُّم لوظيفة ما: "لا تُراعى الشَّهادة والكفاءة وحدها عند الاختيار لها، وَلٰكِنْ يضاف إليهما المكانة الاجتماعيَّة" (ص123). أيضًا قوله "أعرف ما يقال، ولا أنكره، الوساطة..القرابة.. الحزبيَّة كُلّ أُولٰئِكَ وما هو أشنع" (ص132).

السبت 5/1/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع