قصة قصيرة:
حكايات

جابر الطميزي


منكسر الجناح
مع مرور الأيام، سئم أبو محمود ترديد هذه الروايات الآتية من مكامن الماضي البعيد، بل سئم هذه الحياة التي لم يفهم ثناياها من جديد، وبدا حزينا مثل طير منكسر الجناح، اجتاحت رأسه صنوف الأفكار وهامت تُمزق الأفق، وتوالت عليه الأسئلة وطافت، ولم ينفك عن تأنيب نفسه لعجزه عن تلبية متطلبات بيته، وصار شبح الدين يطارده أينما حل وارتحل، ولكن يا الهي أين المنطق في هذا كله!، ولماذا التبست علي كل هذه الأمور؟.



كان في حدود الأربعين من عمره، أنهكه السجن والمرض، لم يعد له بيت ففقد سكينة طالما تمناها، هو الآن يعيش مع أسرته المكونة من اربعة أفراد في كوخ حقير ومتهالك لا يقي من برد الشتاء أو من حر الصيف، كانت قد نصبته لأسرته اللجنة الوطنية في المخيم على ركام البيت المتهدم أثناء سجنه، مساحته لا تتجاوز ستين مترا، مقسمة على شكل ثلاث حجرات بما فيها الصالون والمطبخ والمنافع الأخرى، أرضية الكوخ فرشت بحصائر مهترئة لكنها نظيفة، وأثاثه بسيط جدا، مكون من خزانة بدون أبواب تحتوي على بعض الملابس، بجانبها رفوف اصطفت عليها عشرات الكتب، وطاولة عفى عليها الزمن، طويلة القوام فوقها تلفاز قديم، وعلى جانبيها بعض الكراسي البلاستيكية المرصوصة، وعلى الجدران أسدلت ستائر مزركشة برسومات خيطت بإتقان، في الزاوية المواجهة للباب توجد طاولة أخرى عتيقة عليها بعض الكتب والدفاتر؛ رُتبت بعناية، وفوقها على الحائط علق فانوس نحيل بدون زجاجة.
في الكوخ الآيل للسقوط  ولد وكبر الأولاد الأربعة، وهم ولد واحد وثلاث بنات، الولد يدرس في السنة الثانية بالجامعة، والبنت الكبرى في الصف الحادي عشر، والبنات الأخريات ما زلن في الصفوف الإعدادية والابتدائية.
الولد والبنت وبما أنهما الأكبر عمرا هم على دراية بظروف أبيهما المادية والصحية، فلذلك هما قليلا التذمر والطلبات بعكس الصغيرات.
بالأمس مساءً، وتحديدا في وقت الغروب، البنت الكبرى كانت جالسة بجوار أمها تقرأ؛ وبتلعثم اعتصرت شفتيها، وبنبرة مشوبة بحياء وارتباك؛ طلبت من أبيها ثمن الكتب المدرسية، قالتها وعادت إلى دراستها، .. هذه البنت شبيهة بأمها، همس أبو محمود في أذن زوجته: هي من أحب أولادي إلى قلبي، وصمت للحظة، وبدا كأنه يحدث نفسه، .. قريبا يا ابنتي سأتدبر الأمر، وكان همه الأكبر أن يكمل أولاده تعليمهم الجامعي.
الأم همهمت بإشفاق ونظرت إليه وتساءلت في نفسها، من أين سيتدبر أمره؟. وانفلتت تبكي بصمت، حاولت بكل جهد أن تخفي مشاعرها عن بناتها اللواتي تحلقن حولها مشدوهات، البنت الكبرى حاولت أن تهدئ من روعها وتعرف سبب هذا البكاء المفاجئ، لكن الأم لم تنبس ببنت شفة ولم تتوقف عن البكاء إلا حينما سمعت خطوات ابنها قادمة نحوهما.
في الصباح، الابن بعد أن ارتدى ملابسه، وبحذر وتهيب، تلعثم وطلب من أبيه قسط الفصل الجامعي، قائلا: لقد تأخرت كثيرا عن الدفع، قالها وهم بالمغادرة إلى الجامعة، وراحت أمه تغدق عليه بحرقة كثيرا من الدعوات والابتهالات والتسبيحات.
نظر إليه الأب بطرف عينه وتجهم، واطرق رأسه نحو الأرض, وصمت.
هو قيس، وهي ليلى، وليلى .. امرأة رقيقة كزهرة جلنار أذبلتها الكآبة على غفلة، كانت تدرس معه في نفس الجامعة، أحبها وأحبته وتزوجا قبل ثلاثين سنة ونيف، وتقاسمت حلو السنين ومراراتها مع من اختارته حبيبا لها، في مساء تلك الليلة، تهيأت ليلى لتطفئ ضوء الفانوس الشاحب لتنام، مسحت دموعها بطرف وشاح قرمزي كان يغطي صدرها، واغتصبت من وجهها ابتسامة باهتة، وبقلب محزون تنهدت ودنت منه وضمته، وبصوت خفيت، قالت: أبا محمود، لا توجد مؤونة في البيت، وفاتورة الكهرباء كما تعرف مقطوعة منذ زمن، قالتها ليلى وسكتت، لكنها ظلت بحذر تتابع ملامح الحزن الجارح على قسمات وجهه، فهي لم تعتد على رؤيته منكسرا مهانا بهذا الشكل.
امتعض الرجل واحتار، وعزّت عليه نفسه، طأطأ رأسه وانزوى، واغرورقت عيناه وغارتا في غمامة دموع استولت عليه، وللحظات، سادت المكان هدأة سكون موجعة انطوت في جوف ليل هبط وأرخى سدوله.
هكذا كان أبو محمود، رجلا بسيطا، جمع في ملامحه الطيبة والرقة والوقار، ففي تلك الليلة، اهتز من الأعماق، ولم يسقط في الضياع، آثر الصمت والشخوص، وجالت عيناه المتوهجتان بالألم وحلقت في أنحاء الكوخ، تنازعته الحيرة وقلة الحيلة، واحتشدت عليه الأفكار وهامت به بعيدا عن المكان.
وبعد هنيهة، تململ وهز رأسه المسجون في شجون، حيث اعترته لسعات من حزن وجزع تلفعتا بسواد شديد، ففي تلك اللحظات القاتمة، أحس أبو محمود بانقباض في صدره ارغمه على الانطواء جاثيا نحو الأرض، وارتمى على فراشه، وكان اليأس قد طاف حواليه، وسيطر عليه، وتركه في ارق موحش،.. وجفاه النوم حتى بزغت أشعة الشمس الأولى متسللة من بين الشقوق.
على وقع الألم، نهض مجهدا وأشعل سيجارته باضطراب ظاهر، وخرج نحو الشارع على غير هدى، وبخطوات مثقلة سار، وكاد يجتاز الشارع المليء بالحفر، لولا انه تعثر في إحداها، وتذكر التاجر، ارتبك وحاول تغيير المسار وصرف نظره في اتجاه آخر، فهنا وقع المحظور والتقت عيناه بعيني ذلك الماكر، فقد كان جالسا (يتشمس) أمام الدكان، تجهم وهجس في نفسه: يا له من تاجر مراوغ ينضح وجهه قساوة ولؤما، كنت أتجنب أن أراه أو أن يراني ولكنه كان لي بالمرصاد، وكعادته كان التاجر يترقبه ويتعقبه بنهم، وببراعة يفزعه ويروعه انتقاما منه على فضح دوره المشبوه في المخيم زمن الانتفاضة، وبفظاظة كان يستهل حديثه بزفة ردح متعمدة لإيقاع اكبر قدر ممكن من الاهانة به أمام الخلق، وبقسوة قال له: "لحساب كثر يا أبو محمود، وإذا لم تدفعه اليوم سأرفع عليك غدا قضية في المحكمة".
- قريبا، قريبا، سأتدبر أمري إن شاء الله يا أبا احمد، قالها ومضى متوجسا مذلولا، ولكن يا الهي كيف سأتدبر ذلك!، إنني لم اكذب قط في حياتي، وكان أبو محمود يخشى من تهور هذا المجنون فيفعلها.
في المنام، وحيث تدور الأحلام، راح أبو محمود يحلم في التاجر، أتاه في أجمل لحظات نومه على غير ميعاد، هبط عليه كعفريت سقط من السماء، ومن أمامه كان جمع صاخب من الخلق يحملون هراوات وسكاكين يهرولون نحو أبي محمود، ويرددون بلسان واحد ما يقول، كان يحمل في يده ورقة قال إنها قرار المحكمة القاضي بسجنه عشر سنوات مع الأشغال والنفاذ مع دفع الدين وغرامات التأخير والعطل والضرر وأتعاب المحامي، ارتعب من كلامه، وتملكه الخوف، وأفاق أبو محمود من نومه فزِعا، وعانى من أثر الاضطراب والارق حتى الفجر، ولم تفارقه هذه الأهوال بضعة أيام، شكر الله على كل حال، وقال في نفسه: في خاطري أمل وأمنية في أن لا بد من إيجاد حل لهذه المشكلة بأسرع وقت ممكن.
أبو محمود شُرِّد أهله قسرا ايام النكبة من قرية عراق المنشية، وحطُّوا رحالهم في مخيم الفوار، حيث ولد فيه وتترعرع وحينما كبر انخرط في العمل الوطني وأصبح من كوادر الانتفاضة الأولى، عاش جزءا من حياته مطاردا أو معتقلا في سجون الاحتلال، وحينما خرج من السجن تم وضعه تحت المراقبة الأمنية وحمل البطاقة الخضراء المشئومة على مدى سنوات، وتم طرده من وظيفة التدريس وحرمانه من دخول الخط الأخضر أكثر من ثلاثين سنة أخرى، حتى وقع في دوامة الفراغ والبطالة، فمثله كمثل أسد وقع في شرك، ومع مرور الأيام ازداد عليه الإعياء وتهالك جسمه وضعف وتداعت عليه الكلاب الضالة تنهشه من كل حدب وصوب، فأصبح بهذه الحالة المزرية جزءا من الماضي المنسي، الماضي المليء بالأسى والقلق والغضب، وجراحات التهميش، ومرارة الذكريات، وضنك الحياة.
في هدأة وسكون كانا جالسين منهمكين يتأملان أطلال الأسى ومرارات الحزن، أشعل سيجارة وارتشف ما تبقى في الفنجان من قهوة، وَقَلّبَ وجهه ذات اليمين وذات الشمال، وراح يبوح ببعض الذكريات لزوجته، فقال: حينما كنت معتقلا في أقبية سجن العدو، قيدوني وعصبوا عينيّ ووضعوني في زنزانة، ورغم التعذيب لم اعترف، وفي حضرة مجموعة من ضباط التحقيق ابلغني المحقق الصهيوني أن أحد المساجين سيشهد على جرمك، وكنت قد أنكرت التهم الموجهة إليّ، فجيء بسجين متعاون اعترف عليّ في وجهي بتهم أنكرتها بشدة، بصقت في وجهه وركلته، وأنكرت أني أعرفه، وبعدها أدخلوني بجلسات متتالية من التعذيب الوحشي، هشمت جسمي، وأطفأت نظري، وأفقدتني صحتي وعافيتي، وسال دمي واختلط بتراب الأرض، صرخت وابتهلت، ولكن لم يسمعني احد، فأدركت حينها أنني وقعت في خطر محدق، وان ضمائر هؤلاء ماتت منذ زمن إن كان لهم ضمائر أصلا.
 أتعرفين يا أم محمود من اقصد بذاك الفاجر؟
لا،  يا أبو محمود؟
هنا اكتست ملامحه بالأسى والشرود، وغابت ملامح سكونه،،استدركت أم محمود الأمر، وطرحت عليه السؤال مرة أخرى. 
تردد هنيهة ثم قال: انه التاجر أبو احمد، فهو يكرهني بأكثر مما يكره الموت، هذا سر اعتبرته مضى وانطوى، أبوح به لأول مرة ولا يصح أن يعرف به احد غيرنا.
ومع مرور الأيام، سئم أبو محمود ترديد هذه الروايات الآتية من مكامن الماضي البعيد، بل سئم هذه الحياة التي لم يفهم ثناياها من جديد، وبدا حزينا مثل طير منكسر الجناح، اجتاحت رأسه صنوف الأفكار وهامت تُمزق الأفق، وتوالت عليه الأسئلة وطافت، ولم ينفك عن تأنيب نفسه لعجزه عن تلبية متطلبات بيته، وصار شبح الدين يطارده أينما حل وارتحل، ولكن يا الهي أين المنطق في هذا كله!، ولماذا التبست علي كل هذه الأمور؟.
ذات مساء، فجأة، وبعصبية واضحة، أشعل سيجارة الهيشي من أخرى، وسحب نفَسا عميقا ملأ من دخانه رئتيه، وطيره بعيدا كسحابة سوداء صعدت وتناثرت في السماء، وتنهد بمرارة وحزن، وبعد هنيهة، وبحركة محدودة أدار وجهه نحو زوجته يتأملها، ويفضي إليها بما ساوره من أفكار دارت في خلده، وهي تصغي إليه بتوجس وانتباه، وكان شديد الحرص أن لا يسمع الأولاد حديثه، قال لها: عجبا لهذه الأيام العنيدة!، كيف مضت ولم تكن كما أريد؟، فبرغم عشقي للحياة والجمال، لم أشأ يوما أن اشغل نفسي بكدر الدنيا وحطام نعيمها، كنت على وعي وقناعة، عصيا على الانكسار والاندثار، ما كنت خوانا أو جبانا، ورفضت المكاسب والمناصب، ولم أتدنس أو أتلوث، حافظت بكل جدارة على دفق التوازن دوما، لم أتذمر أو أتأوه مرة واحدة في حياتي، وبإرادتي حملت روحي على كفي وزهدت، انصرفت عن شهوتي في الأشياء وشهرتي، عففت، ورضيت، واكتفيت، وكل ما طمحت إليه حياة شريفة، وعيشة كريمة.
وتساءل، أليس الحياة إلا صراعا ما بين الخير والشر؟. حياة يقابلها موت، والإنسان حينما يموت لا يأخذ معه شيئا إلى قبره، ولكن يمكنه أن يهب شيئا طيبا لتبقى ذكرى جميلة للأجيال.
ومرة أخرى جلس أبو محمود وحيدا وأخذ يخاطب نفسه: لقد اعتقدت في الناس الأصالة والنقاوة، ربما كنت على حق، وربما كان اعتقادي محض ظنون وأوهام، لكنني الآن وللأسف أحس بخيبة أمل فظيعة، زادتني يقينا بأنني كنت كمن كان يضحك على نفسه،  ضاعت القيم وفقدنا المبادئ، فكم كان عاصفا بالغموض والتصاريف هذا الزمان القاتم الذي غلبني ونال مني ووصمني بقلة الحيلة وأعجزني، خُدعت وضاع عمري وصرت حطاما زالت معالمه غير الكدر، فضاع الأمان مني ورماني للمجهول، فها أنا قد شخت وهرمت، وقد كان ما كان، وفات الأوان، لكنني لست بنادم عما كان، واني على ثقة بان الشمس حتما ستشرق من جديد.
في البدء طحنتني بفيض وطأة المطاردات والمعتقلات والمرض، والآن الدّيْن، آآآآه الدّيْن، انه لحمل ثقيل وهم كبير هذا الديْن اللعين، لقد كبلني وأذلني وما عدتُ قادرا على تحمله أو التعايش معه، والأصحاب كثر لكنهم انفضوا من حولي، ولا اعرف رجلا ميسورا ليقرضني بعض المال ويفرج كربتي وأفكّ أزمتي، فكرت ببيع مكتبتي، ولكن لم أجد مشترياً، وها هي الهموم تفاقمت وكبرت وسرقت النور من عيني.
كنت أظن أنني في مأمن، .. ولكن بعد هذه التجربة، أدركت "أن بعض الظن إثم" حيث أصبحت كمجذوب لا يهدأ له بال.
فكم هو محزن أن يضاف إليك يوم يأس جديد، دون أن تحتج؟. فما الفرق بين الحياة والموت إذا طفح الألم ولم نحتج؟. فأي امن وأي أمل  نرجوه من عيشة الهوان؟، فنحن والعبيد سيان، اذا لم نتمرد ولم نثر ونكسر القيود، أوليس المواراة تحت التراب ارحم ألف مرة من أن تضع رأسك تحت رحمة سكين عدوك؟.
هكذا كانت ترى أم محمود زوجها، سيد الرجال، وجدار بذل وحنان، وينبوعٌ يتوهج بالحب واللطف والرقة، قالت: كان إنسانا وصديقا حميما ومعطاء، عاش للناس ووهب نفسه للوطن، كان يمنحنا الأمان والاطمئنان، فالحياة جميلة حينما يملأها رجل مثله.
وهكذا كان يراها، بديعة الخلق، وبهية الطلعة والملامح، وصاحبة عقل راجح، تحمل كل الصفات المتمناة لامرأة تتوهج بهجة وألقا وتبعث الطمأنينة في النفوس.
ذاهلة نظرت إليه، وناهضة كسنديانة عذراء ناضرة نبتت لتوها أمامه، ساءها ما يعتمل في نفسه من حزن وإعياء يدوي في الأصداء، حاولت مداعبته والتخفيف من جزعه وألمه، ومن سآمة الهموم المكدسة على قلبه.
مشت نحوه واقتربت، مدت ذراعيها وطوقته، ضمته برقة ورفق لصدرها الحنون المحمل بالوجع والهموم، تبسمت وعانقته وَحَنَتْ عليه بغبطة، ودموعها كانت تنساب بحرقة وصمت.
أمسكت بجسمه المرتعش النحيل، وبأناملها الرقيقة راحت تتلمس وجهه وتهدئ من نفسه، وتمسح عن رأسه الوعثاء، وتشتم رائحته.
ألحت عليه بلطف بالغ، يا حبيبي: كن قويا كما عهدناك ولا تقنط من رحمة الله، فبمشيئته ستنجلي الغمامة السوداء، وكما قلت ستشرق الشمس من جديد، وستفرج.
كاد يمتد حديثه مع زوجته أو مع نفسه إلى آخر الليل، ولم يتوقف إلا حين تدخلت ليلى، وهنا همد أبو محمود واستسلم وذهب بعيدا مع أفكاره.
ذات يوم مع مغيب الشمس، .. وفي غمرة الحزن الغامض والكآبة، اعتلى أبا محمود إعياء ممل، وانتابته رجفة قوية أفقدته صوابه، وراح ينتفض كطير مذعور استلت منه روحه، علا صوته اللاهث في الأصداء، واحتقنت عيناه بكل ما فيهما من الم واسى، واكتسى وجهه اصفرارا، ودهمته دفقة هياج أثارت ثائرته، واجتاح صدى صوته أفق المكان، اندفع كعاصفة يعتصره الم مجروح وخذلان، وصاح، يا كل الفقراء والبسطاء، يا وقود الثورة العظماء، يا حلم الجياع الجامح في لجاج الليل، يا كل التجليات المطوقة بالطفيليات والمرتزقة والخونة، يا لهذا الوهم المفرط في الهزيمة، ما بين الصدمة والصرخة تجددي أيتها العزيمة لا تتبددي، ولا تنسي أضرحة الشهداء والسجناء، فكم آمنت بانبلاج الفجر، وبحتمية النصر، نعم لا بد للقيد أن ينكسر وللحق أن ينتصر.
على صدى صوته تجمع بعض الجيران والمارة، واستمعوا بإصغاء إليه، .. فكما يليق بثائر حملت عذاباتي وفيض ذكرياتي، كنت صادقا مع ذاتي ومع غيري، وناديت بالوحدة، وقاومت التعصب والخوف وامتهان الوطن بثقة وتحد وعنفوان وغضب لا يهجع، وكرهت الخيانة والعمالة، والقهر والفقر، والجهل والقتل، والأرذال والأنذال، واستذلال العباد والاستبداد، وفساد النفوس واللصوص، وسماسرة السلب والنهب، والشتات والطغاة والانقسامات، والغرباء والجبناء والعملاء، فمأواهم جهنم ومزابل التاريخ، ولطالما تمنيت أن افتدي وطني بدمي واقضي شهيدا عائدا من حيث أتيت، فالشهداء لا يموتون، وان ماتوا فهم كالأشجار يموتون وقوفا، فكم أنا حزين وغاضب من خيبتي وقلة حيلتي، لأنني صرت كشجرة خاوية تتقاذفها الرياح، آآآآه كم تمنيت لو صرت شجرة مثمرة وظليلة تأوي إليها الأفئدة، فالشجر المثمر اطهر من الحجر ومن البشر، لم أدرك هذه الحقيقة، بل أنا الذي عاندت أن افهم، ولكني بقيت كما أنا لم أتزحزح، وفيَّا لدماء الشهداء، الذين قضوا بشرف وإباء ولم افقد توازني، أو أتنكر لقناعتي، أو أساوم على المبادئ والقيم، ولم أكن أبدا بتافه حقير لأستحق هذا المصير.
في تلك الفسحة من استراحة المحارب، وقف أبو محمود متأملا الحضور، وكانت قد تملكته نشوة باهتة وراح يناجيهم قائلا: أليس من اجل أن نحيا أحرارا كتب علينا النضال؟، فها هي الأجيال تتعاقب مثل الليل والنهار، جيل يأتي وجيل يرحل، فلكل شيء بداية ونهاية، .. ولا بد أن يصل صوتنا للأعالي، بعدها تنهد بحنق، وانحبس صوته وخبا، شَعر انه يختنق وروحه تنقبض، أخذه دوار عنيف وارتجف، وبشكل مفاجئ أخذته إغماءه، وخار ساكنا لا يتحرك.
هكذا هوى نحو الفقد هامدا، لولا أن ادركته يدان قبل أن يطأ الأرض، وهو يردد يا أبتاه، الموت لا ينال بالتمني وإنما تؤخذ الدنيا غلابا.

السبت 5/1/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع