"التحذير" القاتل (2-2)

*مقتل فتييْن في سنّ الـ14 بفعل صاروخ في إطار سياسة "اقرع السطح" على مبنًى في مدينة غزّة*

بعد مضيّ دقيقة واحدة جاءت إلينا أخت زوجي وأرتني صورة أحد الفتييْن اللذين قُتلا جرّاء القصف فميّزت أمير فورًا لأنّه حين خرج كان يلبس بلوزة خضراء وبنطلون "جينس" كحلي. قلت لها" هذا ابني أمير. لقد قتلوه!". كان رأسه مضرّجًا بالدّماء ووجهه أيضًا". توجّهت فورًا إلى مستشفى الشفاء في غزة. قال لي الأطبّاء إنّ أمير جريح وإنّهم يحاولون إجراء عمليّة إنعاش له. أخذت أبحث عنه بين الجرحى وأنا أبكي وأصرخ. بعد ذلك وعند غرفة العناية المكثّفة حيث كنّا أنا وجدّه وأعمامه قال لنا الطّبيب إنّ أمير قد فارق الحياة. توجّهت إلى ثلاجة الموتى وكنت أصرخ وأبكي وأتمنّى في قرارة قلبي أنّ هذا غير صحيح وأنّي سأجد أمير على قيد الحياة وأنّ شخصًا آخر هو الذي قُتل. لم نصدّق ما يحدث لا أنا ولا أبوه.
في ثلاجة الموتى وجدت جميع الأقارب قد تجمّعوا بالقرب من جثمان أمير. كان رأسه ووجهه مغطييْن بالدّماء. ألقيت بنفسي فوقه وأخذت أقبّل وجهه ثمّ أغمي عليّ. عندما استعدت وعيي كنت في المنزل. عدت إلى العويل والنحيب. كنت أصرخ "جيبوا لي أمير. رجّعوا لي أمير. أمير ما مات". كان قلبي يتقطّع حزنًا على صغيري الذي تركته ملقًى في ثلاجة الموتى دون ذنب جناه".
لقد تحوّلت حياتي إلى جحيم بموت أمير. أنا أبكي ليل نهار على ابني الذي قتلوه دون ذنب اقترفه. ما زال صوته يرنّ في أذني وضحكته الفرِحة وابتسامته التي لم تكن تغيب عن وجهه. لقد صبرت كثيرًا لأراه يكبر أمام ناظريّ ثمّ أتت طائرات جيش إسرائيل وقصفته ليذهب هكذا وتموت معه كلّ أحلامه. كان أمير يحبّ كثيرًا أن يلعب كرة القدم رغم أنّه كان لديه ثقب في القلب. كان يحلم أن يصبح معلّم سواقة حين يكبر لكنّهم قضوا عليه وعلى حلمه. وكان يحبّ المدرسة. كان طالبًا متميزًا ومتفوقًا. أخته الصغيرة ملاك البالغة من العمر 5 أعوام دائمًا تسأل عنه.. كلّ يوم تسألني أين أمير فأجيبها "إنّه الآن في الجنّة". إنّني أصلّي لأجله وأدعو له بالرّحمة. فراق أمير صعبٌ عليّ كثيرًا وأنا أطلب من الله أن يصبّرني ويعينني على تحمّل ألم فراق أمير ولدي حبيبي.
كان أمير طفلًا صغيرًا. ما الذي فعله ليقصفه الجيش الإسرائيلي وهو يلعب ويرفّه عن نفسه في متنزّه الكتيبة. كيف فعلوا ذلك بولد مريض وبريء؟ لماذا يقصفون الأولاد بهذه الوحشيّة؟ كان يلتقط لنفسه صور "سيلفي" ولم يكن في يده سلاح يهدّد به الجيش الإسرائيلي.
مها كحيل (34 عامًا) والدة لؤي كحيل ومدرّسة في مدرسة وكالة الغوث، متزوّجة وأمّ لخمسة أبناء، سردت في إفادتها التي أدلت بها يوم 14.8.2018 أمام الباحثة الميدانيّة لبتسيلم ألفت الكرد ما يلي:.
عندما وصلت إلى مستشفى الشفاء سمعت الطبيب يقول لأحد الأقارب إنّ لؤي وأمير موجودان في ثلاجة الموتى. توجّهت إلى هناك فورًا وطلبت من رجال أمن المستشفى فتح باب الثلّاجة لكي أودّع ابني. عندما دخلت ورأيت لؤي لاحظت دماء تسيل من أذنيه. كان مصابًا بشظية قرب أذنه اليسرى وشظايا أخرى في منطقة الظهر. احتضنته وأخذت أقبّله. طلبت من الله أن يغفر له ويرحمه ويسهّل طريقه. قلت له "يا ربّ لؤي الآن عندك. دير بالك عليه".
لم يخطر في بالي أبدًا أنّ لؤي سوف يموت وأنّني سأفترق عنه. إنّها لحظات صعبة جدًا لكنّه قدر الله وأمرُه ولا رادّ لقضاء الله.
ماذا فعل لهم لؤي؟ لؤي كان يحبّ صديقه أمير كثيرًا وكان يقضي الوقت معه دائمًا يتنزّهان ويرفّهان عن نفسيهما لأنّ أمير يعاني ثقبًا في القلب. كلّ ما في الأمر أنّه صعد مع صديقه لكي يلتقطا صور "سيلفي" على سطح مبنى الكتيبة لكن جيش إسرائيل اغتال طفولتهما وقضى على فرحة حياتهما وهما يلتقطان صورة لنفسهما. لقد صعد إلى جوار ربّه دون أن أتمكّن من وداعه أو التحدّث إليه. غابت بسمته وضحكاته. لن أسمع صوته يناديني "يا أمّي" بعد الآن. لقد ذهب لؤي ولن يعود إليّ ثانية.
أنا مصدومة تمامًا منذ استشهاد طفلي. كم يصعب عليّ تحمّل هذا الفراق كلّي شوق إليه. اشتقت إليه كثيرًا كيف لي أن أنساه. كان أملي أن يكبر لؤي ويكمل تعليمه الأكاديمي في الخارج لكنّ أحلامي تبدّدت بموته. كان يريد أن يصبح لاعب كرة قدم محترف وأن يلعب مع فرق شهيرة. لقد انتهت حياتي بموته. الحياة أصبحت دون طعم. قلبي جريح ويملؤه الحزن والألم. كان لؤي كلّ شيء جميل في حياتي. كان يساعدني دائمًا. بل هو كان صديقي. لا أصدّق أنّه تركني هنا وذهب. أتساءل ولا أستوعب: "كيف لن أرى لؤي يذهب مع أصدقائه إلى المدرسة مع بدء السنة الدراسية بعد أسبوعين؟". أدعو الله أن يتغمّده برحمته ويلهمني الصّبر. كلّ يوم أنهار من جديد بسبب فراقه إنّه فراق صعب جدًّا.
كان يُفترض أن يصبح مبنى الكتيبة مكتبة عامّة لدى إتمام بنائه وقد كان قيد الإنشاء بل في مراحل متقدّمة من إنشائه. أطلقت عليه طائرات سلاح الجوّ الإسرائيلي أربعة "صواريخ تحذيرية": أصاب اثنان منها سطح المبنى وسقط الأخير عند أسفله وفورًا بعد ذلك أطلقت الطائرات أربع قنابل ألحقت بالمبنى أضرارًا بليغة. قُتل الفتَيان لؤي كحيل وأمير النمرة البالغان من العمر 14 عامًا جرّاء إطلاق "الصاروخ التحذيري" الأوّل حين كانا يجلسان على سطح المبنى. وقد بلغت حصيلة المصابين من بين السكّان في عمليّة القصف كلّها 23 جريحًا جاءت إصاباتهم طفيفة. كما تسبّب القصف بأضرار لمبانٍ مجاورة كثيرة من بينها مسجد ومكتب وزارة الأوقاف ومركز للإسعاف الأوّلي تابع لوزارة الصحّة ومبانٍ سكنيّة و"قرية الفنون والحرف" المجاورة لمبنى الكتيبة.
لقد سبق وأثبتت النتائج الفتّاكة للقصف الجوّي خلال "حملة الجرف الصّامد" أنّ استخدام الجيش الإسرائيلي لـ"الصواريخ التحذيرية" استباقًا للقصف لهو أمر باطل. هدف الصواريخ التحذيرية الحقيقي تحذير المواطنين قبل شنّ الهجوم وإفساح المجال لهم ليبتعدوا عن المكان المستهدّف - وهو من واجب الجيش بمقتضى أحكام القانون الإنسانيّ الدوليّ. إنّ إطلاق صاروخ على سطح مبنًى لا يمكن اعتباره تحذيرًا بل هو بكلّ وضوح جزء من الهجوم نفسه. لا يتمكّن المواطنون دائمًا من فهم ما يجري وهُم أصلًا لا يعرفون كم من الوقت لديهم لينجوا بأنفسهم. وحتى الجيش نفسه لا يمكنه أن يعرف هل تدبّر المواطنون أمرهم وتمكّنوا من الفرار بقضّهم وقضيضهم أم لا. هذا فضلًا عن أن القصف بـ"الصواريخ التحذيرية" نفسه يمكنه أن يكون فتاكًا كما في هذا الحدث.
وحتى لو صحّت مزاعم الجيش بأنّ المبنى كان يُستخدم لتدريب عناصر الذّراع العسكريّة لحركة حماس وعليه فمن اشرعيّ استهدافه بصفته مبنًى عسكريًّا، يظل من غير المعقول قصف المبنى في ساعة يعجّ فيها بالمواطنين والعائلات مع أولادها علمًا أنّ هناك ساحة مجاورة للمبنى مليئة بألعاب الأطفال. إنّها أمور أساسيّة ولا بدّ أنّ على الجيش معرفتها سلفًا أو أثناء العمليّة بكلّ تأكيد حيث تواجد المدنيّين في محيط المبنى وبأعداد كبيرة كان مرئيًّا بوضوح فكم بالحريّ بواسطة أجهزة الاستطلاع التي يمتلكها سلاح الجوّ. علاوة على ذلك كان من السّهل جدًّا على الجيش أن يلاحظ وجود المدنيّين (الفتييْن) على سطح المبنى.
قصف المبنى ضمن الملابسات المذكورة أعلاه يفضي إلى استنتاجات خطيرة: فإمّا أنّ أجهزة الاستطلاع والمراقبة التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي وضعها سيّئ للغاية بحيث عجزت عن ملاحظة الوجود المتكرّر والمكثّف للمواطنين قرب مبنى الكتيبة - وفي هذه الحالة لا يستطيع الجيش تخمين مدى "الأضرار الجانبيّة" المتوقّع أن تطال المدنيّين الأبرياء وبالتالي لا يمكنه التأكّد من أنّه يشنّ الهجوم مع استيفاء شرط التناسب (بمقتضى القانون الدولي). وإمّا أنّ الجيش كان يعرف عن وجود المواطنين في محيط المبنى واختار القصف تحديدًا أثناء وجودهم في جواره (وفعليًّا فوقه أيضًا) بكلّ ما يعنيه ذلك من تعريض المدنيّين للخطر دون أيّ اكتراث لحياتهم. ونؤكّد أنّ المسّ بالمدنيّين كان نتيجة متوقّعة سلفًا في كلتا الحالتين.
هذه الممارسات ليست سوى استمرار للسياسة التي اتّبعتها إسرائيل خلال "حملة الجرف الصّامد": سياسة إطلاق النار والقصف الجوّي لمناطق مكتظّة بالسكّان. نتيجة لتطبيق هذه السياسة قُتل على الأقلّ 1055 فلسطينيًّا في حين لم يشاركوا في أعمال القتال - أي ما يقارب نصف الفلسطينيين الذين قُتلوا خلال الحرب ومن بينهم 405 أطفال و229 امرأة. لقد أصرّت إسرائيل على الادّعاء بأنّ سياستها هذه لا تخالف القانون لكنّه ادّعاء باطل من أساسه: بدءًا بالتأويل غير المعقول لتعريف "الهدف الشرعيّ" مرورًا بإفراغ مبدأ "التناسُب" من أيّ معنى وانتهاءً بتطبيق أداتيّ شكليّ لمطلب الحيطة والحذر وضمن ذلك التجاهل الواضح للنتائج الفتّاكة الناجمة عن تطبيق هذه السياسة بما في ذلك مقتل عائلات بأكملها. لقد واصلت إسرائيل تطبيق هذه السياسة طيلة أسابيع خلال "حملة الجرف الصّامد" مستهدفةً المنازل منزلًا فمنزلًا والعائلات أسرةً وراء أسرة. لم يحاسَب أحد على ذلك ولا يزال كبار المسؤولين السياسيّين والعسكريّين يدافعون عن هذه السياسة. اليوم بعد مضيّ أربع سنوات على تلك الحملة تطبّق إسرائيل السياسة نفسها وتجني النتائج الفتّاكة: مقتل فتييْن في الـ14 من عمرهما.


تقرير: منظمة بتسيلم

الأثنين 7/1/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع