لماذا لا نتعلم من أخطاء الماضي؟

عوض حمود


الانتخابات في مجتمعنا العربي لها تداعياتها على سيرورة الحياة الاجتماعية والسياسية على أهل البلد الواحد، ان كان هذا على مستوى القرية أو المدينة في المحيط العربي. فأعتقد أنه لم يعد أي فارق بين الاثنين بعد الذي حصل خلال الانتخابات الأخيرة وما بعدها. فأصبحنا كلنا " في الهوا سوا" كما تعودنا على قول ذلك المثل لتعزية الذات. لأن الأسس التي تجري عليها الانتخابات المحلية معقدة و مركبة و مسيرة من قبل قوائم تعتمد بالدرجة الأولى و مركزها العائلية مغمسة بالطائفية و بنسبةٍ عالية جداً و لكنها مغطاة و ملفعة بشعارات براقةٍ لا وجود لها على أرض الواقع بالمطلق ، لا أقول هذا اعتباطا  ولا للمس بأحد. و لكن هذا ما هو واقع على أرضية واقعنا العربي المنهزم، المهترئ فكرياً و اجتماعياً و سياسياً و اننا على ما يبدو مصرون وعاقدو العزم بأن لا نتعلم من أخطاء الماضي، ومما مررنا و وقعنا به في ما مضى و بالتحديد في سنوات التسعينات و بعدها حينما انفجرت في الكثير من قرانا العربية "الطوش" الكبيرة و على نطاق واسع بين مختلف الحمائل المتناحرةِ على "زعامة" المجالس المحلية في حينه. يا ريتها لم تكن لكي يبقى نسجينا الاجتماعي سيد نفسه حاضراً و محتضناً اجتماعياً في مدننا و قرانا.
وللأسف كانت حصيلة تلك الطوش الكثير و الكثير من الاصابات و الجرحى و مزيدا من تكسير البيوت و حرق السيارات و تخريب الممتلكات عمداً و انتقاماً و ذلك عدا عن الاعتقالات الواسعة التي قامت بها قوات الأمن "اليسام" بين صفوف أبناء القرى التي جرت بها الطوش. و كانت المحاكم هي المستفيد الأكبر في تلك الفترة وتفرض غرامات باهظة التكلفة على الأشخاص الذين تم اعتقالهم في حينه. ليس هذا فحسب بل كانت تفرض عليهم أيضا الابعاد خارج قراهم بعيدين عن عائلاتهم و أولادهم الى القرى المجاورة الى فترات مختلفة تتراوح ما بين شهر و شهرين أو أكثر من ذلك. فمن قرية دير حنا على سبيل المثال كان مبعداً أكثر من شخص ومنهم من أبعد الى سخنين و قرية عيلبون والى الناصرة ايضا هذا في دير حنا وحدها فما بالك بقرى أخرى أكبر من حيث عدد السكان التي وقعت بها المشاكل و كان هذا كما أسلفت في التسعينات. وكان بعد أن تهدأ الأوضاع نسبياً يتدخل لاصلاح ذات البين بين الأطراف المتنازعة، طيب الله ذكراه الشيخ عوض خلايلة أبو فيصل من سخنين ومن كان يرافقه ايضاً في مهمته الصعبة.
فقد كان آنذاك رحمه الله يرأس لجنة الصلح العشائرية ومعه عدد آخر من الإخوة والمشايخ من قرانا المحيطة فمنهم من توفى و أطال بعمر مَن منهم بقى على قيد الحياة.  واني أقولها بكل صدق وأمانة الضمير أن هؤلاء الأخوة المشايخ سعوا آنذاك و بذلوا كل ما كان لديهم من جهد وصبر لاستتباب الهدوء واحلال السلام ما بين (أفرقاء التخاصم) أبناء القرية الواحدة. وأن هؤلاء الأجلاء كانوا يتنقلون من قرية الى أخرى لاطفاء حرائق الطوش التي كانت مشتعلةٍ في الأماكن الأخرى، وبفضل تلك الجهود الحميدة والمنقطعة النظير التي كانوا يبذلونها آنذاك استطاعوا وبمساعدة قوى محلية أخرى نيرة الفهم، نيرة العقل لم يهن عليها ما يحدث أو ما هو حاصل في مدننا وقرانا. استطاعوا التغلب على كل الأحداث المؤسفة التي واجهتهم في مجتمعنا العربي. وبالاضافة كل هذا الجهد والعطاء المنقطع النظير لم يكن هؤلاء الأخوة على موعدٍ لمعاشٍ أو تعويضٍ مادي من أي جهةٍ أخرى لا بل كانوا يقدمون جل خدماتهم بدون حدودٍ للوقت ولا باليوم ولا بالساعات دون مللٍ ولا كلل. وذلك من أجل خدمة هذا الشعب ورأب الصدع واعادة الأمور الى نصابها و احلال السلام و الوئام ما بين أبناء البلد الواحد لا بل أبناء الحارة الواحدة و هذا ما قد حصل على أرض الواقع في تلك الفترة.
قبل حوالي 26 عاماً على وجه التقريب و قد كان اعتقادي شخصياً أن بعد انقشاع تلك الغيمة السوداء التي مرت فوق مجتمعنا العربي بشكل كامل و ما أوقعته من خسائر ماديةٍ و خسائر بشرية بالاضافة لشرخٍ اجتماعيٍ أوقعته تلك الأحداث في حينه رغم كل مساعي التصالحات التي كانت تجري. و بعد عبورنا لذلك الجسر المقيت من العلاقات السيئة دخل لذهني و فكري أن مثل هذه المآسي المريرة والإشكالات قد أصبحت من خلفنا و وراء ظهورنا  و لن تعود على نفسها مرةً اخرى على هذا الشعب الصابر لأنها كانت مكلفة و باهظة الثمن على جميع الصعد الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية و أنه كان درساً قاسياً من الصعب على المرء أن ينساه.
 (دير حنا)

الخميس 10/1/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع