العلاقة الجدلية بين الوجود والادراك

د. خليل اندراوس


اليونانيون والعرب
انجلز: لم تتطور مبادئ البحث الدقيق للطبيعة الا عند يونانيي عصر الاسكندرية (تعود المرحلة الاسكندرية من تطور العلم الى الفترة من القرن الثالث قبل الميلاد حتى القرن السابع الميلادي. وأطلق عليها اسم مدينة الاسكندرية التي كانت من اكبر مراكز العلاقات الاقتصادية الدولية في ذلك العصر، وفي المرحلة الاسكندرية تطورت بقدر كبير علوم عديدة: الرياضيات والميكانيكا (اقليدس وأرخميديس) والجغرافيا وعلم الفلك والتشريح والفسلجة وهلمجرا)، ثم بعد ذلك في القرون الوسطى عند العرب.



تعتمد النزعة المادية الفلسفية الماركسية على المبدأ القائل بان المادة والطبيعة والكينونة هي وقائع مادية موجودة خارج الوعي ومستقلة عنه، وهي بذلك تعارض النزعة المثالية التي تؤكد بان الوعي وحده موجود حقا وان العالم المادي والكينونة والطبيعة لا توجد الا في وعينا وفي احاسيسنا وتصوراتنا، "الوجود" كمفهوم فلسفي يعني ليس كل ما هو موجود (فالادراك موجود ايضا) وانما يعني الواقع الموجود في لا وعي الانسان وبغض النظر عنه، كما تقول النزعة المادية ان المادة معطى اولي لأنها مصدر الاحاسيس والتصورات والوعي، بينما الوعي هو معطى ثان لأنه انعكاس المادة والكينونة وان الفكر نتاج المادة متى بلغت هذه المادة في تطورها درجة عالية من الكمال، وان الفكر والادراك هو ثمرة الدماغ. في الفلسفة الماركسية يجري تحليل مشكلة الوجود في عدة اتجاهات ويجري بحث مختلف مستويات الوجود (الطبيعة العضوية وغير العضوية والمحيط الحيوي والوجود الاجتماعي ووجود الفرد)، وابراز عدم مطابقة احد المستويات الاخرى، فنرى مثلا ان الاشكال الطبيعية للوجود هي موضوع العلوم الطبيعية اما الوجود الاجتماعي فهو موضوع العلوم الاجتماعية، والحكم البالغ الاهمية في الفلسفة الماركسية "الوجود يولد الادراك" وهذا يعني ان الادراك هو نتاج للمادة وان ظهور وتطور الادراك مرتبطان بتطور العالم المادي والفكر والادراك هما ثمرة الدماغ الذي هو عضو الفكر والادراك ولهذا لا يمكن فصل الفكر والادراك عن المادة وعن العالم المادي.
وهنا علينا ان نؤكد بانه لا يجب الخلط بين النظريات العلمية عن المادة، تلك النظريات التي تتطور وتتعمق ويزداد غناها كلما ازدادت جدليتها لأن ميزات المادة لا تنضب – وبين الفكرة الفلسفية عن المادة التي هي اساس كل عمل فلسفي وكل معرفة وكل ادراك والتي لا يمكن ان تعتريها الشيخوخة. ان المادة هي الاولية بينما الفكر الادراك، الاحساس نتاج تطور رفيع جدا للمادة ألا وهو الدماغ، كتب انجلز يقول في مؤلفه "ضد دوهرينغ" يقول: "ان التفكير والادراك هما نتاجا الدماغ البشري" (ص 22 من الطبعة الالمانية الخامسة) والفكرة نفسها تتكرر مرارا عديدة في هذا المؤلف (الف انجلز كتاب "ضد دوهرنغ" في اعوام 1876 – 1878 وكانت تلك فترة التطور السريع والسلمي نسبيا للرأسمالية والى جانب ذلك لوحظ انعطاف جوهري في تاريخ الانتاج الرأسمالي حتى ذلك الحين فقد تسببت الازمة الاقتصادية العالمية عام 1873 في نمو متسارع للاتحادات الاحتكارية. وبدأت مرحلة الانتقال من الرأسمالية ما قبل الاحتكارية الى الرأسمالية الاحتكارية وهي المرحلة التي انجزت على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين) (ان مؤلف انجلز العبقري هذا يحتفظ بأهميته الثابتة بوصفه كنزا لا ينضب له معين للنظرية الماركسية وسلاحا فكريا ضد اعداء الماركسية المعاصرين) . وفي كتاب "لودفيغ فورباخ، نقرأ العرض التالي لنظرات فورباخ ونظرات انجلز: "ان عالم الاشياء هذا الذي ندركه بالحواس والذي ننتمي اليه نحن انفسنا هو العالم الوحيد الواقعي"، "اما ادراكنا وتفكيرنا مهما يبدوان فائقي الاحساس فانهما نتاج جهاز مادي جسمي هو الدماغ. ليست المادة نتاج الروح بل الروح نفسه ليس سوى اعلى نتاج للمادة، فهذه طبعا مادية بحتة (الطبعة الالمانية الرابعة ص 18. او ص 4: "انعكاس مجريات الطبيعة "في الدماغ المفكر" والخ.. فكل تقدم وتطور العلوم الطبيعية وعلم الاجتماع لا بد وان تجذب حتى اكثر التجريبيين والمثاليين الى الادراك المتزايد للطابع الديالكتيكي الجدلي لعمليات الطبيعة وتطور المجتمع.
كتب انجلز في كتابه "ضد دوهرنغ" صفحة 26 ما يلي:
"عندما نخضع الطبيعة او تاريخ البشرية او نشاطنا العقلي للبحث الفكري تنشأ امامنا لأول وهلة صورة لتشابك لا نهائي من الصلات والتعاملات، حيث لا يبقى شيء دون حركة او تغيير وانما كل شيء يتحرك ويتغير ينشأ ويزول، كان هذا الرأي البدائي الساذج والسليم في جوهر الامر عن العالم ملازما للفلسفة اليونانية القديمة، وقد كان هرقليطس هو اول من عبر عنه بوضوح، كل شيء موجود وغير موجود في نفس الوقت، لأن كل شيء يسيل وكل شيء يتغير باستمرار، وكل شيء يوجد في عملية مستمرة من الظهور والزوال. ومع ذلك فعلى الرغم من ان هذا المفهوم يعبر بشكل صحيح عن الطابع العام لصورة الظواهر في مجموعها، الا انه لا يكفي لتوضيح التفاصيل التي تتكون منها صورة الظواهر وطالما لا نعرف هذه التفاصيل فلن تكون لدينا فكرة واضحة عن الصورة كلها، ولفهم تلك التفاصيل لا بد من انتزاعها من ترابطها الطبيعي او التاريخي وبحث كل منها على حدة وفقا لخصائصها، وأسبابها ونتائجها الخاصة الخ.. وفي هذا تنحصر قبل كل شيء مهمة العلم الطبيعي والبحث التاريخي وهما المجالان من العلم اللذان لم يشغلا لدى اليونانيين في العصور الكلاسيكية، ولأسباب مفهومة تماما، الا مكانا ثانويا لأن اليونانيين كانوا بحاجة الى جمع المادة اللازمة قبل كل شيء آخر، ولم تتطور مبادئ البحث الدقيق للطبيعة الا عند يونانيي عصر الاسكندرية (تعود المرحلة الاسكندرية من تطور العلم الى الفترة من القرن الثالث قبل الميلاد حتى القرن السابع الميلادي. وأطلق عليها اسم مدينة الاسكندرية التي كانت من اكبر مراكز العلاقات الاقتصادية الدولية في ذلك العصر، وفي المرحلة الاسكندرية تطورت بقدر كبير علوم عديدة: الرياضيات والميكانيكا (اقليدس وأرخميديس) والجغرافيا وعلم الفلك والتشريح والفسلجة وهلمجرا)، ثم بعد ذلك في القرون الوسطى عند العرب".
ويستمر انجلز ويقول: "بالنسبة للميتافيزيقي توجد الاشياء وانعكاساتها الذهنية، أي المفاهيم ثابتة متجمد لا تتغير تخضع للبحث الواحد تلو الآخر دون ارتباط بعضها ببعض وهو يفكر بتناقضات مطلقة مستمرة لا وسط بينها، وان جوابه هو: "نعم – نعم، لا – لا. وما عدا ذلك فهو اثم" "اما بالنسبة للديالكتيك الذي يتسم بكونه يتناول الاشياء وانعكاساتها الفكرية في علاقاتها المتبادلة وفي تشابكها وفي حركتها وفي نشوئها وزوالها فان العمليات السابق ذكرها لا تفعل غير ان تؤكد طريقته في البحث وتعتبر الطبيعة محكا للديالكتيك، ويجب ان نقول ان العلم الطبيعي الحديث قد أتاح لهذا المحك مادة غنية جدا تتزايد كل يوم وأثبت بتلك المادة ان كل شيء في الطبيعة يتم في النهاية بشكل ديالكتيكي لا ميتافيزيقي"، "وهكذا لا يمكن التوصل الى صورة دقيقة عن الكون وتطوره وعن تطور البشرية، وكذلك عن انعكاس ذلك التطور في اذهان الناس الا بالطريق الديالكتيكي وبالانتباه المستمر للتأثير المتبادل العام بين النشوء والزوال، بين التغيرات التقدمية والتغيرات الرجعية" (انجلز ضد دوهرنج ص – 25 – 26 – 29). ان مذهب ماركس وانجلز لم يظهر على هامش الطريق الرئيسي لتطور الثقافة العالمية، بل كان الوريث الشرعي لأفضل ما انشأته البشرية التقدمية، فقد وجدت الفلسفة وتطورت قبل ماركس وانجلز ومأثرتها الكبرى انها اعطت الناس فهما ماديا للطبيعة، وأعطتهم كذلك مذهب التطور (الديالكتيك)، وقد تجلت منجزات الفكر الفلسفي هذه اكثر ما تجلت في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر في الفلسفة الالمانية، ان اقرب اسلاف ماركس وانجلز في ميدان الفلسفة هما الفيلسوف المثالي الالماني جورج هيغل (1770 – 1831) والفيلسوف المادي الالماني البارز لودفيغ فورباخ (1804 – 1871).
ان مذهب هيغل الفلسفي كان ذا قيمة كبرى لكونه احتوى على فكرة التطور – الديالكتيك، اما مذهب فورباخ الفلسفي فتضمن اسطع فهم مادي للطبيعة بالنسبة لذلك الوقت، وفي القرن الثامن عشر تطورت العلوم الطبيعية والاجتماعية تطورا سريعا، وهذه التطورات هيأت وأدت الى ثلاثة اكتشافات عظيمة وهي اولا اكتشاف الخلية، ثانيا تم اكتشاف احد القوانين الاساسية في الطبيعة وهو قانون حفظ وتحول الطاقة والثالث ظهر مذهب العالم الطبيعي الانجليزي تشارلز داروين (1809 – 1882) حول اصل انواع النباتات والحيوانات، ان هذا المذهب يسمى الداروينية فقد انزل داروين ضربة ساحقة بالنظرة الميتافيزيائية المضادة للديالكتيك الى الطبيعة الحية، فبرهن ان جميع النباتات والحيوانات والانسان قد ظهرت جميعها نتيجة لتطور استغرق ملايين السنين، وأثبت علم التاريخ بدوره ان الحياة الاجتماعية ايضا لا تقف في مكانها بل تتغير، ففي المجتمع توجد طبقات ويدور صراع طبقي، وعلى هذا الاساس جرت الثورات البرجوازية في انجلترا وفرنسا، التي قضت على النظام الاقطاعي القديم، وباختصار نقول ان مجمل مجرى تطور العلم عن الطبيعة والمجتمع كان يبين ان النظرة الميتافيزيائية الى العالم فات اوانها وظهرت الحاجة للاستعاضة عنها بنظرة جديدة ديالكتيكية. ومن اروع نتائج الانقلاب الثوري الذي انجزه ماركس وانجلز في العلم انشاؤهما لفلسفة الماركسية، أي المادية الديالكتيكية، وقد كانت هذه نظرة ثورية جديدة الى العالم.
لقد بين ماركس ان الفلاسفة لم يقوموا في الماضي الا بتفسير العالم بهذا الشكل او ذاك، بينما المهمة تكمن في تغييره، والفلسفة الماركسية – المادية الديالكتيكية هي السلاح الروحي والفكري والواعي وهي الادراك للطبقة العاملة لا لتساعد الطبقة العاملة على تفسير العالم وحسب بل ايضا من اجل تغيير العالم تغييرا ثوريا من اجل بناء مجتمع المستقبل – مملكة الحرية على الارض. ان أتم وأشمل مذهب عن التطور الاجتماعي هو المادية الديالكتيكية التي توحد بين المادية والديالكتيك في مذهب واحد وتعمل على تطبيقه على تاريخ المجتمع الانساني، فالانسان وحده هو الذي يتميز بخاصية عكس الواقع بإدراك عن وعي، لذلك فهو لا يكتفي بالتأقلم مع البيئة بل يؤثر عليها ويعمل على تغييرها وتغيير المجتمع من خلال الادراك الذي يعكس الوجود ويتفاعل معه أي مع الوجود جدليا ويعمل على تغييره. علينا ان ندرك بانه ما من ظاهرة واحدة في العالم ليست نتيجة لحركة المادة لتطورها. فالمادة تشتمل على كل شيء وتبسط مفعولها الى كل مكان وليس هناك شيء على الاطلاق غير المادة المتحركة والمتطورة وما يتولد عنها، وعدا هذا لا يوجد ولا يمكن ان يوجد شيء، وهذا يعني ان هناك عالما واحدا فقط هو العالم المادي وان وحدة العالم تكمن في ماديته، كلمة المادة هي مقولة فلسفية تستخدم للدلالة على الواقع الموضوعي الذي يجده الانسان في احاسيسه التي تنسخه وتصوره وتعكسه دون ان يكون وجوده متعلقا بوجودها، ويقول لينين في موضع آخر: "يوجد الواقع الموضوعي مستقلا عن الوعي الانساني الذي يعكسه" (لينين النزعة المادية والنزعة التجريبية النقدية ص 238). وحيث ان المادية الجدلية قد اقتسمت مع المادية كلها الاعتراف بوجود العالم الموضوعي وفهم الادراك على انه انعكاس للواقع الحي فقد ادرجت في نظريتها للادراك الممارسة البشرية كواحد من اهم مبادئها.
لم تستطع المادية قبل ماركس عمل ذلك، فالممارسة العملية هي النشاط المادي للناس حيث يهيئون اثناءه ظروف حياتهم: وهذا يتمثل في الانتاج والصناعة والزراعة.. ويتمثل ايضا في النشاط الاجتماعي أي الصراع الطبقي ونضال الشعوب من اجل احراز حريتها وترسيخ سيادتها الوطنية والنضال من اجل السلام والتحول الاجتماعي للمجتمع، ولكن ادخال معيار الممارسة العملية في نظرية الادراك قد تطلب قبل كل شيء استيضاح دور الوجود الاجتماعي أي نشاط الناس في المجتمع. ان ادخال ماركس وانجلز معيار الممارسة العملية في نظرية الادراك قد مكن من حل كافة صعاب المادية وبرهن خطل التصورات المثالية للادراك، ونبدأ بكون الممارسة العملية هي هدف الادراك، فامتلاك ناصية العالم واستيعابه وتعلم كيفية تحويله، تحتاج الى التصرف وفقا لطبيعته الذاتية وصلاته وقوانينه، ومن اجل ذلك يجب ادراكها ودخولها وتقبل الادراك لها على النحو الذي هي عليه في الواقع، ثم نجد ان الممارسة العملية هي القوة المحركة للادراك وهي اساس الادراك ومن خلال الممارسة العملية يتم الانتقال من الاحاسيس الى المفاهيم ومن الادراك الحسي الى الادراك العقلي.

السبت 12/1/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع