جبال الريح (23)

محمد نفاع


الى الناصرة
سافرت مع أهلي الى الناصرة، الى دار صديق أبي أبو فوزي نجيب الحكيم، وتعرفت على فوزي الذي يعمل في دائرة الصحة، ورفيق النجار، وتوفيق الخياط ووفيق الذي يعمل في دكان الأقمشة في السوق، دارهم فوق السوق اليوم وقدّام الدار شجرة مشمس كبيرة، لأول مرة آكل مَدْفونة – صيّادية، الرز مع السمك، لم أذق طعاما ألذّ من المدفونة التي تحضّرها ام فوزي، حاولت كثيرا من يومها لليوم أن أحضّر مدفونة لكن لم أنجح، كانت هدية أبي: سارود عنب مدوّر وقرطلّة بندورة بعلية بلدية زهرية من كرمنا في النّصيبة، أبو فوزي استطيب البندورة الحامضة والعنب القرقشاني – بُكْرُش – بُقرش



من تل أرزة حيث كنت احرس على أبنية جديدة ومعدات، تحتها واد عميق مظلم، وأنا أتمشى امام كوخ خشبي صغير، ولا سكان في ذلك المحيط، كان يشع احيانا ضوء سيارة يحبو على طريق جبلي مقابل، قد تكون قادمة او ذاهبة الى رام اله  التي غنت لها سلوى:
وين عارام الله
   وين عارام الله
وِلفي يا مْسافر
   وين عارام الله
ما تخاف مْن الله
   ما تخاف من الله
خَذيت قليبي
   وما تْخاف من الله
فهل كنت اتصور ان تمر سنوات ثلاث لأسمع:
هنا دار الإذاعة الاسرائيلية من القدس ورام الله!!
البروفسور ا. هِدْ رجل ممشوق القامة جسيم وقور يعرف الكثير من اللغات قالوا عنه: مضيف الدولة.
كان يعلمنا موضوع تفتّت الامبراطورية العثمانية، ومن نقاط الضعف والدلائل ان الدولة هناك كانت تلزم موظفين الاشتراك في الجريدة!! انبَريت أنا وقلت انهم هنا في اسرائيل يلزمون البعض الكثير بالاشتراك في جريدة – اليوم -!! لم يصدّق المحاضِر، حتى قام الطالب خليل زهراوي ابن مجد الكروم وصادق على كلامي، يلزمون المعلمين بذلك، فما كان من البروفسور الا ان قال: علينا ان نعلّم موضوعا بعنوان: تفتّت الامبراطورية الاسرائيلية!! هذا سبب غير كاف لذلك.
أما المحاضِر شاكيد فذكر لنا نكتة لطيفة عن مترجم تركي راح يترجم كتابا في الكيمياء، الى اللغة الانجليزية او منها وفيه رمز الماء: ذرتان من الهيدروجين وذرة من الاكسجين H¬2O، جاء مراقب الباب العالي والصدر الأعظم وحلّل: "عبد الحميد الثاني صِفر" صودر الكتاب وعوقب المترجم، الرقابة عندنا اذكى وأبعد نظرا.
مْحيسن تلقح على رأسها "حْسينيه" حْسَنِيّه بنيّة تغطي سالفيها وجزءا من خدّيها الوافرين، كنت ازيح الحسينية عندما أقوم بالواجب، وهي تضحك بتنغِم كالشحرورة المقيلة على التينة. تعمّق الواجب وانتشر عندما حذرتها من البنتين الشّلفوحتين طوبا وميخال وهما تتفرجان عليّ من ثقب الباب وأنا أتحمم!!
تتهامسان بكلمات واقفة، حتى قالت طوبا: تقول ميخال انها تجرؤ ان تنام قربك!! انتبهي لهما في هذا الجيل!! تنهدت محيسن وشكرتني وحمرق وجهها، وصار أحلى وأجمل وأشهى، الحسينية من زمن الحسين بن علي، ولأمر ما تكثر عندنا اسماء حسين وحسن ومحمد وعلي، في الحولة هدمت الحسينية عندما احتلوا ارض الخيط، كان يسكنها عرب السويطات. من الصعب بان نحصي قبائل وعشائر وبطون وأفخاذ العرب من الجاهلية وحتى اليوم، فهي اكثر من اسماء الجَمَل،
في تلك السنة تشكل اول مجلس محلي في بلدنا، نشرتْ عنه جريدة "اليوم" فاضطررت الى اقتنائها، مع صورة اول رئيس ونائب الرئيس: أبو محمد امين حسين قبلان وفايز ابن خالي نايف طافش، وكان الاعضاء قد اجتمعوا في بيت مستقل بين الحارتين المتنافِسَتين، عند دار أبو محمد مصطفى زيدان. من القدس ارسلت برقية تهنئة للمجلس، قد تكون من اوائل البرقيات التي تصل الى البلد، علقوها لمدة أشهر على جدار غرفة الرئيس، استقبلتُ هناك في المجلس، في دار مستأجرة بشكر وترحاب، لكني كنت مشغول البال، في القدس جاء إليّ إثنان من احدى قرى المثلث وقالا: تعال نقوم بعمل مسلّح، الكفاح السياسي لا ينفع!!
وفي القرية جاء اثنان من احدى قرى الشمال وقالا نفس الكلمات، نقدتُ الفخ كما يقولون وأجبت:
أنا سأظل يساريا وأنتم ستكونون من أعوان السلطة، وهكذا كان، ولليوم أمزح مع احدهم فيضحك ويقول:
- بَيّي!! صدَقت يا ....
من جو القدس والجامعة ومؤلفات جورج انطونيوس وألبرت حوراني وفيليب حتي وغولد سيهِر وهشام ابن الكَلْبي وقسطنطين زريق... ومحيسن، سهرت مع عدد من الزوار الشيوخ وهم يتحدثون عن التمخيخ، في مغارة عميقة وفي الليل سمع احدهم طرْقا في آخر المغارة، دخل فوجد واحدة من البلد، وهي امرأة العياذ بلله من شرها، تكسر رأس بغل نافق لتطول المُخ وتضع نتفة منه في طعام صْحيبها الذي هجرها، وواحدة في النهار تكسر رأس بغل على بلاطة راس الطّلعة على طريق عين النوم لتطعمه الى زوجها الذي كارَهَها. والشّوفاني بذر حبّات القمح على مصطبة البيت وراح يقرأ ويُعَزّم في الكتاب وحبّات القمح تنط وتتقافز وتجمّع كومة واحدة. وأكثر من واحدة مصابة في "وجع النُّقطة" والرغوة تطلع من فمها وهي غائبة عن الوعي، يأتونها بالرّصَد ويسألون: وين راحت حرمة بو علي!! والمرصودة تقول: راحت عند قرايبها في عين الأسد. يسألون عن البقر الضائع والسّكّة المسروقة وعود الحراث فتدل على كل شيء، ويتأكد الناس من ذلك ويستخوِثون ويكفّرون كل من لا يؤمن بذلك، عن الحَلْتيتِه وبزْر البُرْش وقول: بدّوح اسلب بدّوح لأية واحدة فتقع في حُبك، وخميرة النّعيم للمعروش من الكلب الصعران، فايز حصل على نتفة بزر بُرش ورشهم في طريق "نقى قلبه" وقال بدوح اسلب بدوح، دارت قفاها وضربت على صرمايتها وقالت: إسّه بقطّعها على راسك، محيسن لم تكن بحاجة الى بزر برش وحلتيتة ومخ بغل وبدوح اسلب وبدوح لتسكت وتقبَل، الجارات هناك في القدس يطلقن علي اسم: العربي واحيانا الطالب.
في الحديقة كان كهل يهودي يجلس على مقعد ويأكل حزوز مندلينا – يوسف افندي، وهو مغمض العينين قبالة الشمس، ورجل فارسي مسن هو الآخر يتمشّى مع عكاز للعياقة ويسكتم: سُكناجي ابن العاهرة تْشلْفَط كيس مندلينا، كلاب.
جاء غلام وشب على صبية من جيله، لكنها أطول منه بكثير وباسها في فمها وهي ساكتة، بعدها بدأت تشتم الغلام بأبشع الكلمات، السكناجي يضحك، أما الفارسي فناولها بالعكاز على هَبرها الوافر وهو يزمجر: سَكَتّي حتى خلّص يا عاهرة يا بنت العاهرة، سكناج، لكن الغلام الشيطان انتقل الى مكان آخر في الحديقة وضرب عجوزا، تطلعتْ نحوي وقالت حتى العربي لا يفعل هذا، في تلك الايام سافرت مع أهلي الى الناصرة، الى دار صديق أبي أبو فوزي نجيب الحكيم، وتعرفت على فوزي الذي يعمل في دائرة الصحة، ورفيق النجار، وتوفيق الخياط ووفيق الذي يعمل في دكان الأقمشة في السوق، دارهم فوق السوق اليوم وقدّام الدار شجرة مشمس كبيرة، لأول مرة آكل مَدْفونة – صيّادية، الرز مع السمك، لم أذق طعاما ألذّ من المدفونة التي تحضّرها ام فوزي، حاولت كثيرا من يومها لليوم أن أحضّر مدفونة لكن لم أنجح، كانت هدية أبي: سارود عنب مدوّر وقرطلّة بندورة بعلية بلدية زهرية من كرمنا في النّصيبة، أبو فوزي استطيب البندورة الحامضة والعنب القرقشاني – بُكْرُش – بُقرش، وملأ لنا سارودا من فاكهة صفراء جميلة المنظر تشبه النجاص، قرش أبي قرشة وكَشّر، ورماها في محطة الباص، كان هذا الثمر هو الجوّافة اللذيذة والغالية، أغلى من العنب والبندورة، لكن أبي بسلامته رماها في محطة الباص، لم يُطق لا رائحتها ولا طعمها.
عندما زارنا أبو فوزي، كان الفصل صيفا، مكث عندنا اياما، ونذهب معا الى الكروم، كروم العنب والتين وهو يقول: كأني في عاليه في لبنان، والجيران والاصدقاء يعزمونه على الغداء والعشاء وعلى رأسه طربوش أحمر، وهو انسان فَكِه جدا، على سقف الدكان في الناصرة حرف قاف، حرف الشيوعيين للانتخابات، حرف كبير بدهان أحمر، زوجة ابنه رفيق عزمت سيجارة بكل احترام على شيخ تقي، فصرخ أبو فوزي في وجهها: ضُبّي: المشايخ بدَخنوش عندهم.
في الجامعة كتبتُ مقالا مطولا في موضوع القومية العربية، والمقال طويل واعتمدت على بعض المصادر وكأنه بحث علمي، وأرسلته الى مجلة الجديد ومحررها إميل توما، وانتظرت ذلك بفارغ الصبر، لكن إميل توما أرسل لي رسالة تقدير واحترام، مع اعتذار عن نشر المقال، رغم الجهد المبذول، كنت قد خرجت في المقال بخلاصة واستنتاج ان القومية هي مسألة شعور وهاجمت الأقلام الرجعية الدرزية والسلطة، ودعاني إميل توما الى حيفا، وهناك سمعت أول درس جدّي عن تعريف القومية وعناصر تكونها والخطأ عندي، وشجعني على الاستمرار.
وفي مرة لاحقة أرسلتُ له قصة بعنوان "الأنين المقدّس" عن تعاطي الحُب حتى النهاية وأين؟؟
في قلب المكان المقدّس، حتى أثبت تعمّقي في الانفتاح والعِلمانية وحتى الإلحاد وعدم احترام المقدّسات" وكأني بإميل توما ومن منطلق الوعي الكبير قد رمى القصة الى حيث ألقت بلا أي جواب.
بعدها بسنتين نشر نقدا استعراضيا تطرق فيه الى أدبنا والى القصة القصيرة، وأشار الى ثاني قصة نشرتها بعنوان "المُشرّدون"، فيها المديح وبعض الملاحظات.
المقال عن القومية وقصة الأنين المقدس هما الوحيدتان من كل ما أرسلت للنشر، رُفض نشرهما وبحق، كل الحق، وهو أول درس لي، ويضاف اليهما قصيدة بعنوان "الجرمق" مع رسالة من محمود درويش تقول: قصيدتك، مع انها سليمة الوزن والقافية إلا انها لا تصلح للنشر، مع تبيان الملاحظات والعيوب، واستعمال وتصفيف كلمات خضوعا للوزن والقافية، وبقيت أحتفظ بهذه الرسالة القصيرة، تحولتُ مكرها الى كتابة القصة القصيرة، وأرسلت اول قصة بعنوان "العودة الى الأرض"، أرسل لي محمود درويش رسالة فيها:
قصتك الجميلة أعجبتني كثيرا، فهي غنية بالصور الفنية والمفردات الأصيلة، ونشرت في مجلة الجديد في شهر تشرين الثاني سنة 1964، اما الشاعر عصام العبّاسي فقال: وجدتها مرمية في سلة المهملات، قرأت بعض الأسطر وأخذتها للنشر. اما الطالب نبيه القاسم – نبيه ابن عمي فريد فبعث مع أبي الذي زارهم في الرامة:
قول لمحمد قصته منيحة. والرفيق محسن أبو طافش قال: قصة جيدة لأن بطلها اسمه محسن على اسمي.

السبت 12/1/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع