رواية واقعيَّة اجتماعيَّة فلسفيَّة: تشكُّل النَّصِّ السَّرديّ في "حضرة المحترم" (6)

محمَّد خليل


تيَّار الوعي
المونولوج الدَّاخلي هو التِّكنيك الأهمُّ الَّذي يقوم عليه تيَّار الوعي، والحال الَّذي يسبقه. أَمَّا مصطلح تيَّار الوعي فقد أطلق أوَّلًا في علم النَّفس ثُمَّ انتقل إلى الأدب كمصطلح أسلوبيٍّ. يعني تدفُّق الأفكار وتداعيها من ذهن الشَّخصيَّة، من دون أن تكون مقيَّدة أو منظَّمة بالمنطق العام، إذ تخلي الأفكار المنطقيَّة الطَّريق للأفكار المبنيَّة على التَّداعي. وهو أسلوب في السَّرد يقوم التَّركيز على ما قبل الكلام من الوعي بغية الكشف عن الكيان النَّفسيِّ للشَّخصيَّة



وقد لا يخفى على القارئ أيضًا أَنَّ الكاتب يلمِّح، من طرف خفيٍّ، إلى المسكوت عنه أو اللَّامحكيِّ: إلى انتقاد السُّلطة، والدَّولة، ورجال السَّياسة. ثمَّة سؤال مشروع يطرح نفسه: إذا كان يروي حكاية هٰذا البطل الَّذي لا همَّ له في الحياة أو رحلة العمر، سوى الوصول إلى منصب مدير عام ليس أكثر! يقول الرَّاوي على لسان "عثمان بيُّومي": "نحن أبناء الشَّعب لا نطمع فيما يتجاوز رئاسات الأقسام" (ص46). على الرَّغم من أَنَّهُ منصب لا يلقى قبولًا لدى أبناء الطَّبقات العليا ولا يلتفت إليه أحد منهم، فحين شغرت الدَّرجة السَّابعة في سلَّم التَّرقية لم يجد "المدير العام" الحالي "سعفان بسيوني" من يرشِّحه لتلك الدَّرجة سوى "عثمان بيُّومي" بعد أن أمضى سبعة أعوام في درجة واحدة هي الدَّرجة الثَّامنة، قائلًا له "هي مضمونة لك إن شاء الله، فلا رغبة لأهل الوساطات في وظيفة بإدارة، تسكنها الثَّعابين والحشرات" (ص37). إِنَّهُ انتقاد واضح وصريح للفساد المتفشِّي في النِّظام الإداريِّ للدَّولة(41)الَّتي تعتمد الواسطة والمحسوبيَّة والرِّشوة بأنواعها، بدل الكفاءة والمهنيَّة والفاعليَّة. ناهيك بأنَّها لا توفِّر ظروف عمل ولا وظائف مناسبة، ولا تفتح الإمكانات على أساس من العدل والمساواة والكفاءة أمام أبنائها وأفراد شعبها من أبناء الطَّبقة الفقيرة والوسطى المهمَّشة. وحين يذكر رجال السِّياسة فَإِنَّهُ يفعل ذٰلِكَ ناقدًا لهم ساخرًا منهم، لِأَنَّهُمْ بعيدون كُلّ البعد عن الواقع، ولا يهتمُّون إِلَّا بظواهر الأمور من دون أن يكلِّفوا أنفسهم مؤونة الالتفات إلى قضايا تلك الطَّبقة وهمومها، وما تعانيه، ومن ثَمَّ لا تهتمُّ بالبحث عن حلول مناسبة، يقول: "وتذكَّر الآراء الَّتي يعلِّل بها بعض الزُّملاء-المولعين بالسِّياسة والأفكار- هٰذِهِ الظَّاهرة وأمثالها من خلال حملاتهم على المجتمع والطَّبقات" (ص127). وَأَمَّا موت "عثمان بيُّومي" في نهاية الرِّواية، بعد أن أفنى زهرة شبابه في خدمة الدَّولة، فَإِنَّهُ ناجم عن حرمانه من مباهج الحياة، إذ لم يحقِّق غاياته ورغباته المعلنة والمكبوتة،الَّتي طالما كان يحلم بها، ففيه ما فيه من انتقاد مبطَّن للنِّظام الإداريِّ الفاسد في الدَّولة ولسلطتها الرَّسميَّة، الَّتي تستغلُّ "عثمان بيُّومي" الموظَّف البسيط وأمثاله أبشع استغلال، يقول أحد الكتَّاب "إِنَّ هٰذِهِ الشَّخصيَّة قدَّمتها الأيديولوجيا الرَّسميَّة قربانًا لمعبد الدَّولة ولمقصلتها اللَّامرئيَّة"(42).
في المقابل، لا يعدم القارئ انتقادًا لاذعًا وربَّما ساخرًا أيضًا لـ "حضرة المحترم" وهو "عثمان بيُّومي" وللدَّولة معًا وفي الوقت نفسه. إذ كيف يُعقل أن يفني المواطن عمره ويغفل نفسه وحياته في رحلة العمر؟ وفي سبيل ماذا؟ في سبيل وظيفة ليس أكثر! فخير دليل على عقل المرء قوله أو فعله أو كلاهما معًا، ولنقرأ "إن يكن المثل الأعلى في البلدان الأُخر محاربًا أو سياسيًّا أو تاجرًا أو رجل صناعة أو بحَّارًا فهو في مصر الموظَّف" (ص108). ألهٰذا الحدِّ بلغ الواقع المأساويُّ؟! فما كان من "عثمان بيُّومي" إِلَّا أن يفقد ثقته بنفسه ويقرَّ بالحقيقة كما يخبرنا السَّارد قائلًا: "فاعترف قائلًا: لا خير فيَّ، هٰذِهِ هي الحقيقة" (ص94). كُلُّ ذٰلِكَ يؤدِّيه الكاتب انطلاقًا من إحساسه بقضايا مجتمعه الفرديَّة والجمعيَّة على حدٍّ سواء، وفهمه لهمومهما في ضوء التَّحوُّلات المستجدَّة. يؤدِّيه بأسلوب دراميٍّ حواريٍّ شائق، يعتمد لغة تصويريَّة إيحائيَّة بعيدة عن التَّقرير والمباشرة والوعظ والإرشاد. الأمر الَّذي يمكن أن يثري الأثر الأدبيَّ بكلِّ تأكيد، وفي الوقت نفسه، يسهم في إثارة الأسئلة لدى المتلقِّي ويزيد من انفعاله وتفاعله مع النَّصِّ.
• الرِّواية وتيَّار الوعي
المونولوج الدَّاخلي هو التِّكنيك الأهمُّ الَّذي يقوم عليه تيَّار الوعي، والحال الَّذي يسبقه. أَمَّا مصطلح تيَّار الوعي فقد أطلق أوَّلًا في علم النَّفس ثُمَّ انتقل إلى الأدب كمصطلح أسلوبيٍّ. يعني تدفُّق الأفكار وتداعيها من ذهن الشَّخصيَّة، من دون أن تكون مقيَّدة أو منظَّمة بالمنطق العام، إذ تخلي الأفكار المنطقيَّة الطَّريق للأفكار المبنيَّة على التَّداعي. وهو أسلوب في السَّرد يقوم التَّركيز على ما قبل الكلام من الوعي بغية الكشف عن الكيان النَّفسيِّ للشَّخصيَّة(43)، مثال ذٰلِكَ قوله: "مرَّ ضوء عينيه على الوجوه وعلى وجهه ضمنًا، فجال بخاطره أَنَّهُ دخل تاريخ الحكومة، وَأَنَّهُ يحظى بالمثول في الحضرة. وخيِّل إليه أَنَّهُ يسمع همهمة من نوع عجيب، لعلَّه يسمعها وحده، ولعلَّه صوت القدر نفسه. ولَـمَّا استوت الفراسة امتحانها الوئيد تكلَّم صاحب السَّعادة. تكلَّم بصوت بطيء وهادئ ومنخفض فلم يكشف عن شيء يذكر من جوهره" (ص5-6). يمكن تصنيف رواية حضرة المحترم إلى تيَّار الوعي من عدَّة أوجه: فالرَّاوي، وهو كلِّيُّ المعرفة، يعي جيِّدًا وظيفة "المدير العام" بأبعادها الاجتماعيَّة، والسِّياسيَّة، والنَّفسيَّة، وانعكاساتها على شخصيَّات الرِّواية، ولا سيما شخصيَّة البطل "عثمان بيُّومي" الَّذي طالما كان يغلِّب المنظور الذَّاتيَّ النَّابع من وعيه هو وليس من خلال منظور خارجيٍّ، على ما عداه. كَذٰلِكَ،تتجاوز الرِّواية القضايا الاجتماعيَّة الخارجيَّة الَّتي تتعلَّق بالمجتمع ككلٍّ، لتلامس القضايا الفرديَّة الذَّاتيَّة الَّتي تنبع من داخل الشَّخصيَّة نفسها، كما تهتمُّ بالتَّرتيب الزَّمنيِّ والمكانيِّ للأحداث. ثمَّة خاصيَّة أخرى يمكن الإشارة إليها، وهي استقلاليَّة الشَّخصيَّات في الرِّواية كُلٌّ ووعيه الشَّخصيُّ ودوره الفرديُّ الَّذي جاء متطابقًا إلى حدٍّ كبير مع مواصفات الشَّخصيَّة النَّفسيَّة ذاتها. وقد يلحظ القارئ أَنَّ الرِّواية تعتمد بشكل كبير على الحوار الدَّاخليِّ أي المونولوج، وهو ما نلمسه على امتداد الرِّواية، مثال ذٰلِكَ الحوار الدَّاخليُّ "يا لي من مجنون، كيف أتصوَّر أنَّني سأبلغ يومًا مرادي" (ص52). كَذٰلِكَ، قوله لنفسه مخاطبًا: "احذر يا عثمان مغبَّة السَّير الرَّتيب، لا بدَّ من وثبة أو وثبات..." (ص57). مرَّة أخرى نقرأ قوله: "وقال لنفسه إِنَّ أحدًا لا يعلم الغيب وَلِذٰلِكَ يتعذَّر الحكم الشَّامل على أيِّ فعل من فعالنا" (ص95).
(يتبع)

السبت 12/1/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع