"وزر النوايا" بين الواقع والفانتازيا (1-2)

د. رياض كامل


نار الذكريات
الرجال كلهم في قفص الاتهام، و"صادق" يقف أمامها وحيدا عاريا من أي سلاح ومن أية حجة. يتمكن هذا الصوت من التغلغل إلى أعماقه ليؤجج نار الذكريات، وليشعل فتائل من نار لا فتيلا واحدا، بل يشعل نيران الوجع المستديم. فهو ضحية قبل أن يكون في قفص اتهام أحد، تعرض للتحرشات من رجال أكبر منه حين كان طفلا، يعاني ألما نفسيا مكبوتا، فيغور أكثر وأكثر في الأعماق من نقطة الصفر؛ من البيت ومن الوالد. تذكّر جميلة أول حب وقع فيه، وكانت قد لجأت إلى بيتهم وهي بعد طفلة صغيرة، حين أتت النيران على بيت العائلة، دخل والدها لإنقاذها فاحترق ومات ثم لحقته الأم حزنا...



ليست مقدمة

إن دراسة رواية جديدة صدرت قبل أشهر قليلة لهو أمر غير يسير لعدة أسباب؛عليك أن تتواجه، في مثل هذه الحالة، مباشرة مع المنتج الأدبي دون أن تناقش من سبقك، كما هو الأمر في حالات أخرى. ويصبح الأمر أكثر صعوبة حين يكون هذا المنتج هو باكورة أعمال هذا المبدع أو تلك المبدعة. لقد اختارت الكاتبة نسرين طبري أن تستهل عملها الإبداعي برواية "وزر النوايا" (2018)، واللافت للقارئ، منذ الصفحة الأولى، أن الكاتبة قد اختارت الطريق الصعب. يتأكد لك ذلك كلما غرت أكثر في الصفحات. فهناك موضوع حارق، وهناك غور في النفس البشرية مما استلزم توظيف تقنيات الرواية الحديثة التي تتيح للمؤلف أن يكشف المستور من هموم الشخصيات، لذلك نرى تداخل النص المسرحي بالسرد الروائي منذ الصفحات الأولى، كما نكتشف تداخل الواقع بالخرافة والفانتازيا، فضلا عن تقنيات رواية تيار الوعي.
نستطيع أن نقول إننا إزاء رواية غير تقليدية مفتوحة على التجريب. فهي تتمحور حول سبر غور نفسية الشخصية المركزية نتيجة ما مر عليها من تجارب قاسية منذ سني طفولتها فتعتريها حالات من الهلوسة المتكررة التي تعكر صفو حياتها مما يستدعي توظيف تقنيات حديثة يمكنها التجاوب مع الحالة النفسية الصعبة التي تمر بها الشخصية المركزية، ولغة شاعرية غير مباشرة، تنحو منحى الرمزية التي تثير القارئ وتستفزه للبحث عما وراء المفردة والجملة والصورة؛ لغة قريبة من لغة الأحلام والرؤيا والتحليق البعيد، دون أن يعني ذلك الابتعاد عن الموروث العربي الذي يتجلّى في توظيف الأساطير والخرافات العربية وبعض أجواء ألف ليلة وليلة.
وهي رواية لا تعنى بالمكان والزمان المألوفين، ولا بمحيط قرانا التي وجدنا لها انعكاسا لافتا في رواياتنا وقصصنا وأشعارنا الفلسطينية، فلا تركيز على حقبة زمنية ولا على مكان له مواصفات تقليدية، ولا على شخصيات مألوفة نلتقي بها في حياتنا اليومية. فالتركيز ينصب على الداخل أكثر مما هو على الخارج، بل على العكس تماما، فما نراه في الخارج هو انعكاس للداخل.


الدخول من الباب الرئيسي


ما يلفت النظر حقا هو أن الكاتبة نسرين طبري قد اختارت أن تدخل عالم الرواية من باب آخر، لا من الباب الخلفي، لم تدخل عبر أحداث تاريخية، ولم تتناول قضية الصراع العربي اليهودي الذي يمكنه أن يجنّد كثيرين لأنه صراع مع الآخر. لقد اختارت أن تدخل في صراع مع الذات/المجتمع. كما أنها لم تكتب رواية تقليدية رغم أن "وزر النوايا" هي باكورة إبداعها، بل اختارت أن تدخل من باب الكتابة التي تتيح المزج بين الأنواع الأدبية المختلفة. لا نأتي بجديد حين نقول إن تعقيدات الحياة التي نعيشها اليوم جعلت عقل الإنسان وقلبه مغايرين عما كانا عليه من قبل. ونرى، كما يرى غيرنا، أن ثقافة هذا الجيل مغايرة كليا عن ثقافة الجيل السابق، وبالتالي فإن طريقة تقبله للجديد مختلفة عما كان من قبل، فالفانتازيا جزء من الواقع الحالي.
يحمل الكتاب الكثير من مواصفات الرواية التي تعنى بالنفس وبالروح وبتعقيدات القرن الواحد والعشرين وهمومه. لقد اختارت الكاتبة نسرين طبري أن تنضم إلى عدد قليل من كتاب الرواية الفلسطينية الذين يرون أن المضامين الاجتماعية والفكرية التي تشغل حياة الناس اليومية هي المواضيع التي يجب الخوض فيها. لقد خاض الكتّاب الفلسطينيون تجارب عدة، وهم كغيرهم من الكتاب العرب بدأوا مقلِّدين ثم ساروا في طريق الانعتاق ونجحوا في خلق أدب عربي فلسطيني وفن عربي فلسطيني خاص ومميز يرتبط بواقعهم وهمومهم. إن عماد كتاباتهم النكبة والنكسة والهجيج، ومواجهة الآخر، والدفاع عن الأرض والمسكن والتاريخ. فهل هذا يعني أن هذه الأمور قد ولى زمنها وأن الأمور تأخذ منحى جديدا وكأن القضايا الكبرى قد وجدت لها حلا؟
إن انعدام وجود الحلول، وتعقيدات الوضع السياسي وانعكاسه على الوضع الاجتماعي والثقافي كفيل بتوليد فئات متصارعة تبحث كل منها عن رؤية خاصة بها، وبما أن الكاتب ابن لبيئته فإنه جزء من هذا الواقع ومن هذا الصراع. هناك اليوم تياران يتجاذبان جيل اليوم في كل أنحاء العالم العربي؛ التيار السلفي بكل ما يحمله من إحباطات جعلت شريحة كبيرة من المجتمع تبحث عن ذاتها في خضم "معارك" الهوية والانتماء الفكري، وتيار آخر يسبح ضد التيار السلفي، فتولدت حالة من الصدام بين فكرين متوازيين لا يلتقيان أبدا، إلا في حالة الصدام التدميري. هذا الواقع لا بد أن يجد صداه في مضامين الكتابة المختلفة وفي شكلها، ولذلك فإن التيار الثاني يبحث عن ذاته في ملعب آخر وفي حقل آخر وفي لغة أخرى.


الفانتازيا في خدمة الواقع


لقد باتت الفانتازيا، برأينا، تقنية بارزة في العديد من الروايات الحديثة، ولكن الحديث الأهم ينصب على نسبة هذه الغرائبية والعجائبية في السرد الروائي وعلى دورها ودوافع توظيفها. والفانتازيا مصادرها عديدة أهمها ما قرأناه في قصص الأنبياء، وما ورد في الخرافات والأساطير، وفي حكايات الجدات، وفي التاريخ. ولعل أكثر مظاهر الغرائبية موجودة اليوم في لغة الشعر الحديث، ما يجعل استعمال المعاجم التقليدية غير مجدية لفك شيفرات ورموز النص. ونضيف أنّ تعقيدات الحياة في العقود الأخيرة هي واحدة من أهم ما يثير الفانتازيا ويجعلها، ربما، جزءا من الواقع. ولعلنا لا نذكر كتاب ألف ليلة وليلة، وكتاب كليلة ودمنة،هنا، من باب المفاخرة فقط، بل إن هذين المؤلَّفَين هما من أهم مصادر الأساطير والخرافة التي استفاد منها كبار الروائيين العالميين قبل أن يستفيد منها الروائيون العرب.
إن الأسطر الأولى من الرواية تشي بالتوجه الفني والفكري للرواية، التي لم تبدأ بالتعريف بالفضاء أو بالزمان، بل بدأت بمشهد شبه مسرحي لرجل غارق في حالة من الهلوسة "يرسم في الفراغ خطوطا لا يراها سواه"، يأتيه صوت امرأة لا يراها، تطلب منه تخليد أثرها قبل أن يحين رحيلها.يمتد الحوار بضع صفحات، تقطعه ذكريات سريعة تعود إلى عهد الطفولة، وتصوير ردود فعل الرجل الهائجة والمثيرة في آن معا.
تختلط الخرافة بالهلوسات وتتداخل مع الواقع فيتولد مزيج روائي لافت، فيه شخصية رجل متعب قلق هائج حزين يرسم في الفراغ، تعتريه موجات ذكريات كلها مؤلمة وحارقة؛ طفولة حزينة وجَدّة وعرافات. يتمكن الصوت من اختراقه والتواصل معه رغم رفضه الأوليّ، إذ يبدو أن هناك ما يجمع بينهما، فكلاهما ضحية. يطول شريط الذكريات المؤلمة التي أيقظها صوت الأنثى.نعلم أن اسمه صادق،وهو ضحية والده الذي يقترف الجريمة تلو الأخرى؛ يعتدي على الضحية الأولى، وهي صبية واسمها جميلة فتهرب منه، يعثرون على جثتها متفّحمة، يقتل زوجتَه أمَّ صادق وتختفي آثار الجريمة، يلاحق صبية أخرى، وهي أيضا لها حكاية مؤلمة جدا واسمها مليكة، يقتل الابن أباه أثناء اعتدائه عليها، فتختفي آثارها.
يطّلع القارئ على هذه الأحداث في بضع صفحات تكاد تكون أشبه بخرافة، لكنها حقيقة مؤلمة مر بها صادق. لم تنل هذه الأحداث وصفا مسهبا رغم أهميتها، ولا يشعر المتلقي أنه بحاجة إلى مزيد من المعلومات فهي في تراصّها كفيلة بنقل الألم من الشخصية إلى المتلقي ليحدث تفاعل سريع بينهما. وكأن ما يحدث كان عبارة عن فيلم قصير رُصَّت فيه الأحداث فعُرضت بأقلّ ما يمكن من المشاهد وبأقلّ ما يمكن من وقت.
لا يعرف القارئ عند افتتاح الرواية موقع الأحداث ومسرحها، ولا يتعرف على مواصفات المكان وميزاته، هناك تراب وأوراق شجر وقبة سماء، وصوت امرأة يحاوره وكأن ذلك حقيقة لا هلوسة أو خيال، هذا الصوت يحاور الآخر كما يحاور ذاته عبر مونولوج قصير يبدو فيه أن صاحبة الصوت تعرفه وتعرف خصاله الطيبة.
يتعرف القارئ على صادق وهو في حالة سكر منذ السطر الأول، ندخل معه في الأعماق، ونغوص معه في الحكايات المؤلمة، ونغور في الماضي. يقرر صادق بعد هذا الشريط المؤلم من الذكريات الذي يمتد ثلاثة عقود ونيفا من السنين أن يبدأ مرحلة جديدة يكون فيها إنسانا آخر، ويبدأ رحلة البحث عما تبقى له في الحيا؛ البحث عن مليكة التي تركته بعد قضاء ليلة عشق غير منسية، سلمته فيها ذاتها كما أراد وكما أرادت،"في صبيحة اليوم التالي، رزم أمتعته القليلة، وسار باتجاه البلدة". (ص37) وكان أول دخوله القرية مقبرتها وهناك بالذات "أخذه حلم يقظة إلى مرابع خضراء...". (ص39) رأى مليكة ركض نحوها وحين دنا سبقته إلى ذراعيها طفلة جميلة. استفاق وتابع سيره. عند مدخل القرية صادف امرأة ضامرة الجسد تكبر جدته بكثير، إنها العرافة صديقة جدته التي تقوده إلى بيتها لتسلمه "الأمانة" التي تركتها له الجدة والدة أمه.
هذه الأمانة تكسبه بيتا يأوي إليه، فيه أثاث وأسِرّة وكل ما يحتاجه الإنسان العاديّ السويّ. هذا المكان يتيح له المجال أن يبحث عن حبيبته مليكة، وقبل أن يخسر المزيد من الوقت يلجأ إلى العرافة التي اختصرت عليه عناء السؤال: "إذا ما ضاقت الدنيا بفيروزية العينين، تراها تلتجئ إلى صخر الشطآن، تقتات ملح البحر، تؤنس وحدتها بمداعبة الطحالب النابتة على صخوره. لا يروق الضجيج فيروزية العينين، لذا فإنها تتوارى عن الأنظار مع اقتراب الصيادين، وإذا ما دخلوا عمق البحر تركض إلى المياه لتلقي بجسدها المشتاق فوق تموجاته المتكسرة من فعل مرور القوارب فوق سطحها". (ص59-60)
إن عملية البحث ولقاء العرافة والأحلام ووصف الأمكنة أقرب إلى الحكايات الخرافية والأساطير التي تأخذنا إلى البحار وأسرارها. لا يشعر القارئ بوجود محيط بشري عادي منذ دخول صادق البيت في المدينة،إذ من المتوقع أن يرى معالم المدينة والجيران والحركة، لكن يبدو وكأن هذه الأمور قد امحت إلا من صادق والعرافة والبيت والبحر والأسماك، وبعض المواقع الرمزية التي تتلاءم مع أجواء الرواية بشكل عام.يسير في إثر وصية العرافة التي أشارت إلى البحر، فيرى مشاهد مثيرة؛ أشلاء أسماك صغيرة متعفنة على امتداد الشاطئ.تتحرك الأمور وفق منطق الحكاية، فجأة "شعر بكف تحط على كتفه. التفت إلى صاحب الكف. كان كبير الصيادين" (ص61) الذي يحدثه دون لف أو دوران عمن "كانوا يلقبونها بطائر الحظ" وقد عثروا عليها قرب الشاطئ قبل سبعة أيام، وقد "قذفها البحر كشجرة جفت أغصانها وذبلت أوراقها، وقذف معها العشرات من الأسماك التي استغلت تيهها في البحر فاجتمعت حول جسدها المنهك باحثة فيه عن القوت" (ص62)،ويخبره أنها ما تزال على قيد الحياة برعاية أمه، وأن الصيادين يؤمنون أنها كانت السبب في صيدهم الوفير، لكن الأمر قد اختلف  الآن إذ توقف الصيد وشحّ وجود السمك إثر قذف البحر "طائر الحظ" على الشاطئ.
يروي له كبير الصيادين حكاية هذه الأنثى الحافلة بالغرابة والسرية التي ولدت الكثير من الأقاويل عن جمالها الفتان الذي جعل زوجات الصيادين يبغضنها لأن رجالهن افتتنوا بها، وعن تبدل لون البحر وعن الشمس التي ضلت طريقها وعدم توقف نعيق الغربان، وعن الحياة المترنحة في أروقة الجحيم لا تعيش ولا تموت. (انطر تفاصيل الحكاية/ الخرافة:ص62-63)
إن حكاية الصياد عن هذه المرأة الفيروزية العينين تترك القارئ أمام أكثر من احتمال تأويلي: من تكون هذه المرأة التي أطلق عليها الصيادون "طائر الحظ"؟ وهل "فيروزية العينين" هذه هي مليكة؟ كيف وصلت إلى هنا؟ كيف عاشت وأين؟ ولماذا يتعامل معها أهل البلدة بهذا الأسلوب؟ وما العلاقة بين ما حل بها من ويلات وبين عودة شباك الصيادين فارغة؟
إنها شخصية تحيطها هالة من الغموض وعدم الوضوح، وكأنها مخلوق فيه جوانب غير مألوفة للبشر العاديين ولا لأهل البلدة. حكاية البحار أثارت صادق وأقلقته جدا خاصة حين صرّح كبير الصيادين بأن والدته تعتقد أن ما أبقاها على قيد الحياة هو العشق. تمنّى صادق في أعماقه ألا يكون "طائر الحظ" مليكته التي تناوشت جسدها أسماك البحر. لاحقها ليتأكد من هويتها، فقد أخذتها والدة كبير الصيادين وحاولت مساعدتها وتقديم العلاج.لم ير في الجسد الممدّد أمامه وشمَ بدر ساطع انفرد به عنق مليكة، ولا لون كحلة الليل في بقايا الشعر المتآكل. ولاحظ أن الجسد أطول من جسد مليكة.
يقف القارئ هنا أكثر قربا إلى مليكة من قرب صادق إليها؛ إذ يجد الكثير من نقاط الشبه، بينما يرى صادق نقاط الخلاف بين مليكة و"طائر الحظ". فأين تكمن الحقيقة ومن سيعرفها قبل الآخر؟ هل هو القارئ، أم صادق؟
يفر صادق من المكان مرعوبا يتعثر مرارا ويفقد اتزانه "زفر، زأر، ترنح، فقد اتزانه وهوى أرضا". (ص65) تابع وحيدا هائما لا يراه أحد ولا يشاركه همه أحد، يسمع أصواتا وابتهالات ويرى مشاهد أقرب إلى الحلم والهلوسة. ويقرر وسط هذه الرؤى متابعة البحث عن مليكة التي تحولت إلى عدة حكايات خرافية تروى في مناطق مختلفة بصور مغايرة. وكلها حكايات من خلق الفانتازيا والأسطورة والخيال.
ما مدى علاقة الهلوسة بالواقع؟ سؤال ليس بحاجة إلى مختصين نفسيين للإجابة عليه، لأنها حالة تعتري الإنسان في كثير من الحالات حين تسيطر العاطفة على العقل. ولهذا كانت الفانتازيا تقنية توظف في الرواية الحديثة لكشف النفس البشرية وما يعتريها من أفكار مستورة، فالحياة في تعقيداتها وتأثير ذلك على نفس الإنسان باتت جزءا من واقعه.أصبحت الفانتازيا أسلوبا يعبر الكاتب بواسطتها عن ذاته بطريقة ملتوية ورمزية يفسح باب التأويل على أكثر من اتجاه بعيدا عن الواقعية المألوفة.
تتعدد الحكايات حول مليكة، فحكاية الشرق، ليست نفسها في الغرب، يسمعها الكبير كما يسمعها الصغير. باتت، إذن حكاية تنتقل من جيل إلى آخر. هذه الحكايات التي تعتريها الخرافة والخيال المحلق شبيهة بأية حكاية قد تحدث في أي مجتمع؛ تبدأ بصورة ما ثم تتحول لتصبح حكاية ثانية وثالثة وعاشرة. فهل هذا هو واقعنا؟ وهل الخلق والإبداع والتحوير والتبديل جزء من حياتنا اليومية؟ هل هذه الحكايات الفانتازية هي حكاية حياتنا اليومية؟


ابن،أب وأنثى


تتبعثر ملامح الشخصية الرئيسية على صفحات الرواية، تتكشف أمور وتبقى أخرى طيّ الكتمان حتى تبرز الصورة وتتضح أكثر بشكل تراكمي مع مرور الأحداث. يلتقي القارئ ب"صادق"، الشخصية المركزية، منذ الصفحة الأولى، ومنذ السطر الأول وهو في حالة هلوسة، وقد تعتعه السكر بعد أن "أفرغ في جوفه عددا من الأقداح"، يتحدث إلى امرأة لا يراها، أو تتحدث هي إليه دون أن يراها: "ليس باستطاعة أحد سواكَ أن يحفظ أثري بعد ذهابي". (ص11) يمتد الحوار لنكتشف بعض أسراره، منها؛ أن اسمه "صادق" وأنه قد "مر زمن طويل لم يأت فيه اسمي على لسان أحد. فقد دعوني بالصبي، الولد، الغريب، بُنيّ...لكن أحدا لم يدعني باسمي سوى جدتي وجميلة.... قال وتمتم في سره: من أين لكِ أن تعلمي إذا كنت أنا نفسي لا أعرف الطريق!". (ص12)
تتضح ملامح أخرى، مع امتداد الحوار، فيبدو غيرَ واثق بذاته يعاني من العزلة، وينتمي إلى اللامرئيين وإلى العدم والفراغ كما صرح هو بذلك. يعود إلى شريط طفولته لتتكشف لنا أمور أخرى صعبة؛ أهمها أنه كان معزولا في طفولته من الجميع، دون استثناء، فاختار أن ينام في زاوية الغرفة. (ص13-14)
إن صوت هذه المرأة غير المرئية هو الصوت الأقوى في الرواية، يتغلغل في حناياه، يحرك مكامن الروح والجسد. صوت لا يهادن ولا يساوم، يلقي بالتهم دون هوادة، وكأن صادق هو مجموع رجال العالم يحمل وزر خطاياهم أينما كانوا في كل مكان وزمان، ويصبح صوتها لا مجرد صوت مفرد، بل هو صوت النساء جمعاء منذ خلقن حتى اليوم يتعرضن لضيم الرجال على اختلاف مقاماتهم ومكانتهم وصنائعهم ومهنهم، سواء كان الواحد منهم بائع علكة أو كاهن معبد، وسواء كان بائعا جوالا أو واعظا: "مر أمامي ذكور كثر، جئت إلى هذه الدنيا من فعل ذكر، تزوجت ذكرا، أنجبت ذكورا. صادفت أصنافهم في كل موطئ قدم، في الحي، في المدرسة، في المعابد، في المتاحف والصالات، في الحوانيت وحيث الباعة الجوالون، في المشافي وحتى في دور الرعاية.
لم يكن حال الكهنة والمتنسكين أفضل حالا من بائعي العلكة وقطن السكر. لم يختلف شيء بين رواد الصالات عن رواد الحانات. كلهم سواسية". (ص،18)
الرجال كلهم في قفص الاتهام، و"صادق" يقف أمامها وحيدا عاريا من أي سلاح ومن أية حجة. يتمكن هذا الصوت من التغلغل إلى أعماقه ليؤجج نار الذكريات، وليشعل فتائل من نار لا فتيلا واحدا، بل يشعل نيران الوجع المستديم. فهو ضحية قبل أن يكون في قفص اتهام أحد، تعرض للتحرشات من رجال أكبر منه حين كان طفلا، يعاني ألما نفسيا مكبوتا، فيغور أكثر وأكثر في الأعماق من نقطة الصفر؛ من البيت ومن الوالد. تذكّر جميلة أول حب وقع فيه، وكانت قد لجأت إلى بيتهم وهي بعد طفلة صغيرة، حين أتت النيران على بيت العائلة، دخل والدها لإنقاذها فاحترق ومات ثم لحقته الأم حزنا. جميلة طفلة بدوية تكبر وسط العائلة تقع في حب "صادق" لكنه لا يجرؤ على مبادلتها الود بالود رغم أنه متيّم بها، كما كانت هي متيمة به، خوفا من سخط والده الذي لاحقها وحاول النيل منها عنوة حين يخلد الجميع إلى النوم، لكن صادق ينقذها من الوقوع في براثن والده. (ص20)
إن علاقة "صادق" بوالده هي النقطة الأصعب التي عانى منها منذ الطفولة حتى آخر يوم في حياته، وهي مصدر أوجاعه وآلامه النفسية. كل تجاربه مع الوالد كانت صعبة ومؤلمة تمتزج صورته بالدم وبالاعتداء على النساء، فقد كان اعتداؤه الأول على جميلة، أما جريمته الثانية فكانت قتل الوالدة حين كان في العاشرة من عمره، حيث عاد الوالد إلى البيت تفوح منه رائحة السكر، يترنح يسارا ويمينا، يشتم الوالدة بأرذل الكلام، ثم يقترف جريمته الكبرى بقتلها. لطّخت دماؤها الحائط والأرض "بعد تلك الليلة لم ير والدته ولم يجرؤ أن يسأل عنها أحدا". (ص22)
يبذل الأب قصارى جهده ليذوّت مفاهيم "الرجولة" في فكر ابنه وقد عبر مرحلة الطفولة وبات فتى يافعا؛ المرأة ملْك للرجل منذ أن يدفع ثمنها لوكيلها، له الحق أن يفعل بها ما يشاء ساعة يشاء. والرجل الذي يلد بنات هو ناقص للرجولة والفحولة، كما هو حال جده والد أمه، على حد قوله، لكن هذا الوعظ لا يجد له مكانا في وِجدان الابن الرافض لكل ما بدر ويبدر من أفعال والده وأفكاره، خاصة وأن هناك جريمة دنيئة أخرى تطفو على السطح لترافقه حتى آخر يوم من حياته. كانت ضحيتها، هذه المرة، "مليكة" التي تبناها جده والد أمه، وعاملها كما يعامل الأب ابنته التي من لحمه ودمه. يموت الجد ويأخذ الأب في التردد على بيت الجدة الحزينة كي ينال من "مليكة" التي آثرت البقاء مع الجدة كي تؤنسها في وحدتها. في إحدى زياراته الكاذبة "احتجز جسدها الرقيق في زاوية ضيقة. لم تثنه تضرعاتها ولم يرأف لبكائها. لم يمنعه دخول ابنه من الاستمرار في فعلته، فما كان من الأخير (صادق) إلا أن أطاح رأسه بمدقة خشبية ضخمة". (ص26)    
يفشل صادق في الحفاظ على النساء اللواتي أحبهن؛ خسر أمه ورأى دماءها تلطخ الجدران، وتحفّظت العائلة على السر.، هربت جميلة من البيت، "بحثوا عنها أياما ولم يعثروا عليها، حتى وصل نذير شؤم يخبر أنه عُثر على جثة أنثى متفحّمة بين أنقاض البيت الذي شهد ضياع عائلتها". (ص33) أما "مليكة" التي عرفها ووقع في عشقها، في فترة لاحقة، فقد هجرته هي الأخرى وتسللت مع بزوغ خيوط الفجر واختفت بعد ثلاثة أيام من قضاء ليلة عشق مميزة في فراشه عله، على حد قولها: "يكمل طريقه بعد رحيلي". (ص32)
يستسلم "صادق" لليأس والأسى ولزجاجات الكحول وللنوم والصحو، بعد أن فقد الثقة بكل ما يحيط به من بشر. يعيش محبطا مع ذاكرة تستعيد مرارا وتكرارا قصص فشله في الحفاظ على النساء اللواتي أحبهن وأحببنه، قصة "فشل" تتلو الأخرى، حتى رأى قطة تعارك قططا برية تحاول الاعتداء على صغارها فلا تستسلم، يأخذ زجاجة الخمر الفارغة ويلقيها باتجاه القطط البرية ليساعد القطة الأم وكأنه ينقذ "جميلة" من النيران، تهرب القطط البرية ويشعر بالنصر، ويقرر العودة إلى البلدة.
يبدأ عملية البحث عن "مليكة" رغم أنه لم يلتق بها ثلاثة عقود ونيفا. يعود إلى البلدة ويحصل من العرافة على وصية جدته، أم والدته، التي تركت له البيت ليعيش فيه. يبدأ مرحلة جديدة في حياته يبحث دون كلل ويلتقي بأناس يستمع منهم عن حكايات خرافية تدور حول "مليكة" واختفائها. يتابع البحث كمن يركض وراء سراب، ما أن يُفتح باب جديد حتى تُغلق أبواب أخرى. ويفاجأ القارئ في الصفحة الأخيرة من الرواية بالطفلة "غالية" تغلق عينيه بعد أن وجدت جسده باردا دون حياة.  (يتبع)




السبت 12/1/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع