ألْمـُهَـيـْمِــنِـيَّــة

سناء جمال أبو صالح


الهيمنة واللغات
أعود وأسأل لمَ هذه الهيمنة والمهيمنية على اللغات؟! فقد وصل العاملون على قاموس أكسفورد إلى شتى لغات العالم دونما كلل أو تعب، فعند الحديث عن كل مفردة هناك عودة لأصول تلك المفردة وأول دخول أو استعمال لها في اللغة الإنجليزية. فجميعنا نعلم أن السبب في توثيق كل حرف في هذه اللغة القوية الحية هو تطورها مع تطور آلة الطباعة. ونعلم علم اليقين أن العربية كان لها الحظ الأوفر والأقدم في التوثيق النسخيّ اليدوي، قبل الإنجليزية بأكثر من ألف عام



قرأت قبل عدة أيام عن أكثر الكلمات بحثًا في معانيها واستعمالاتها من موقع أكسفورد oxforddictionary.com وقد تفاجأت أن كلمة hegemonism احتلت المرتبة الثانية في هذا البحث. وحكاية هذا البحث أنه في شهر أيار احتج قائد كوريا الشمالية؛ كيم جونغ أون، على "الهيمنة" الأمريكية على العالم، وتفاجأت أكثر إذ وجدت اسمًا صناعيًا لهذه المفردة في لسان العرب "المـُـهَيْمِنِيّة"،إلا أنني لم أره في عربية اليوم، فقد ظننت أنّ الاستعمال الصحيح هو "الهَيْمَنِيَّة". كما اتضح لي أن مفردة hegemonism جديدة على قاموس أكسفورد، فتعود إلى ستينات القرن الماضي، وتعني السياسة التي تفرض السيطرة (الهيمنة) للحفاظ على مصالح وطنية. وفي البحث في الموقع رأيت أن المفردة hegemony تعود للغة اليونانية القديمة، ويرجع استعمالها إلى السنوات 1560-1570 وتعني السيطرة التي تمارسها أمة على أخرى.
ليس هذا ما أنوي الوصول إليه، لا المعاني ولا المفردات ولا الاستعمالات، ولا حتى كثرة البحث في هذه المفردة. ما شدَّ انتباهي هنا عدم الرجوع إلى اللغة العربية في تأصيل هذه الكلمة كحال كلمات عربية كثيرة غزت باقي اللغات بغزارة معانيها. فالحروف الأصول ذاتها في كلا المفردتين العربية والانجليزية. وبالنسبة لحرف الياء في هيمنة فقد تحول الى g بالإنجليزية، فهما قريبتا المخرج في الكلام، فالياء تخرج من أقصى الحلق والجيم من أقصى الفم بين عقدة اللسان واللهاة. فحال هذه الياء كحال الحروف التي تتخذ لها مخرجًا آخر في هجرة المفردة من لغة إلى أخرى، أو حتى من لهجة لأخرى. فنحن نقول رجّال، بينما يقولها أهل الخليج ريّال.
ذكرتني هذه المفردة بحادثة صادفتها قبل أكثر من عشر سنوات عندما كنت أدرس للقب الثاني في تدريس اللغة الإنجليزية، كان فيما بين الطلاب؛عربًا ويهودًا، والاستاذة حينها، جدال حول تداخل اللغات فيما بينها، فما كان من إحداهن أنْ صرخت وقالت من المؤكد أنه لا يوجد في العربية مقابل للمفردة العبرية "הגמוניה" فحسب ادعائها فإنّ الإنجليزية أثرت في العبرية! فما كان مني سوى الاستغراب فهي لم تفهم حتى أنّ لغتها العبرية أقدم وأعرق من أنْ تُقارنَ بالإنجليزية حديثة العهد والاستعمال... وأشرت أن هذه المفردة عربية أصيلة، تعود للجذر الرباعي ه.ي.م.ن.، وبما أنه هناك جذر نعود إليه فهذا دليل على أصالة المفردة.
جدير بالذكر هنا أن أعود لجذر الفعل الرباعي، فالقاموس المحيط يشير إلى أنّ ه.ي.م.ن. تعني قال آمين، أي أمّنَ، كما وأن أصل آمن أَأْمنَ، إذن فهو مُؤَأْمنٌ، ثم قلبت الهمزة الثانية كراهة اجتماع الهمزتين فصارت مُؤيْمن، ثم صُيّرت الأولى هاءً كما قالوا في هراق الدم وأراقه وهِيَّـاك قراءة من إيـَّاك أو كما نقول اليوم آتِ وهات بمعنى أَحْضِر.
وفي اللسان كذلك نرى أن المهيمن أصلها مُؤأمِن حيث لُيِّنَت الهمزة الثانية وقلبت ياءً وقلبت الهمزة الأولى وأصبحت هاء، فالمهيمِن والمهيمَن من أسماء الله الحسنى.والمهيْمِنات هي القضايا وهي من الهيمنة أي القيام على الشيء. فهناك قول لعمر بن الخطاب: "إني داعٍ فهيمنوا" أي إني أدعو الله فَأَأْمنوا، أي فاشهدوا، وقد تكون قولوا آمين.فقد وردت المفردة في القرآن في سورة الحشر (23) "الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن"وفي غيرها من الآيات. والمـُهَيْمِن هو القائم على خلقه وهو الرقيب والشهيد وهي على وزن مُفَيْعِل.والأصل فيها مؤأمن، وهي أيضًا اتخذت القلب في حروفها، مؤيمن ثم مهيمن وهي الشاهد على الشيء القائم عليه.
وحريٌّ بنا السؤال هنا، ما أصل كلمة آمين؟ فنراها في جميع لغات العالم تقريبًا ِamen أو amin، في الإنجليزية، الألمانية، الصينية، اليونانية وغيرها وغيرها من اللغات. ومرة أخرى لا نرى ذكرًا للعربية في مرجعية المفردة في قاموس أكسفورد. ما هذا التغييب وما هذا الإقصاء لهذه اللغة العريقة والأصيلة؟
فمعظم النحاة القدامى من العرب والعجم ناقشوا هذه المفردة بجميع حيثياتها، فقد أشار ابن جني بأنه يوجد إشباع لفتحة الهمزة في المفردة أَمين ونشأت بعدها ألف؛ آامين، وتقاس على كلمة عاصين، كما أن معنى كلمة آمين جملة مركبة من فعل واسم"(اللهم) استجب لي" كما قال أبو علي الفارسي، أي هي في موضع اسم الاستجابة مبني على الفتح. وقال أبو هريرة أنّ آمينَ درجة في الجنة، وغيرها من التفاسير التي تؤصِّل هذا الجذر أو هذه الأثلة في اللغة العربية.
أعود وأسأل لمَ هذه الهيمنة والمهيمنية على اللغات؟! فقد وصل العاملون على قاموس أكسفورد إلى شتى لغات العالم دونما كلل أو تعب، فعند الحديث عن كل مفردة هناك عودة لأصول تلك المفردة وأول دخول أو استعمال لها في اللغة الإنجليزية. فجميعنا نعلم أن السبب في توثيق كل حرف في هذه اللغة القوية الحية هو تطورها مع تطور آلة الطباعة. ونعلم علم اليقين أن العربية كان لها الحظ الأوفر والأقدم في التوثيق النسخيّ اليدوي، قبل الإنجليزية بأكثر من ألف عام. فقاموس العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: 170هـ) يعود للمائة الثانية بعد الإسلام، ولسان العرب لابن منظور (ت: 711هـ) يعود للمائة السادسة بعد الهجرة، وغيرها من القواميس وأمهات الكتب التي وصلتنا كاملة.
يبدو أن هذه المهيمنية يا سيدي كيم جونج أون لا تطال الشعوب فحسب، بل تطال لغاتهم وأصولها!




السبت 12/1/2019


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع