مقاومة بالصّرماية!


هشام نفاع


الأصداء الإرتدادية الناجمة عن قذف جورج بوش بزوج من الصّرامي، اشتملت على مستويات عدة. فما إن قام الصحفي العراقي الشيوعي منتظر الزيدي بخطوته التعبيريّة غير المألوفة، حتى راح منسوبٌ لفرح قديمٍ غائبٍ يعلو من بغداد وحتى الرباط. وعلمنا لاحقًا أن الرئيس البرازيلي الشهير بلقب "لولا" لم يقتصد في السخرية من بوش، خلال لقاء لقادة أمريكا اللاتينية، فمازح زميله الفنزويلي تشافيز مهددًا إياه بالصرماية فيما لو أطال خطابه..  وهكذا بدا أنّ لواقعة الصرماية وقعًا يفوق قنبلة، ربما لأنها ليست فعلا عنيفًا بل ترميزًا له، أو نموذجًا يُحتذى لتقديم الرمز من غير الإقدام على فعل العنف. ويبدو أنّ الرفيق الزيدي قد خطط لخطوته ببراعة تامة، مستفيدًا من قوّة مفاعيل معاني الكلمة – أداة الصحفيين الوحيدة عادة – فأعلن انحيازه للمقاومة بلغة محدّثة خالية من أيّ بارود.
لم تتوقف الأمور عند ذلك الفرح الشعبيّ العفويّ المتشفّي المبرّر، ولا على إنتاج النكات الواخزة، بل سارع أشقياءٌ لطفاء الى إنتاج وسائل لتعميق أثر الحدث في الوعي بوسائل خلاّقة لافتة. فمثلا، تلقيتُ ككثيرين بالبريد الإلكتروني لعبة محوسبة يتعيّن فيها عليك الضغطَ على سهمٍ أحمر لمحاولة إصابة بوش بصرماية مسدّدة بعناية الى "خِلقته"، كاسبًا نقطة على كل إصابة ناجحة. وبكثير من التواضع بودّي الإفصاح عن أنني أبليت في اللعبة بلاء حسنًا، وهو ما لم أعهده في نفسي عادةً في هذا المضمار المحوسَب..
لكنْ لا شيء يخلو من نشاز. وإذا كانت ضمائر لندن تستعد لـ "مظاهرة أحذية" احتجاجية أمام السفارة الأمريكية، اليوم الجمعة، وإذا كان ناشطون أمريكيون سارعوا الى التظاهر بالأحذية مقابل مركز لتجنيد "المارينز" في كاليفورنيا هذا الأسبوع، فإن صاحب المنصب المسمى "مستشار الأمن القومي العراقي"، المدعو موفّق الربيعي، وجد من المناسب أن يجاهر بامتعاضه من خطوة الزيدي. لا بل إنه تحدّث بكلمات استعلائية مطهّمة كتلك التي كانت تسيل من أفواه نبلاء الإقطاع الأوروبي القديم، معتبرًا أن طريقة تعبير الزيدي كانت "همجية". ولشديد الأسف لم يكمل الربيعي معروفه، فامتنع عن إسعافنا بالنعت الملائم لأفعال ضحيّة "همجية الصرماية"، بوش، المسؤول الأوّل عن قتل نحو مليون (1000000) إنسان عراقيّ!
قد يُقال إن الفعل كان غاضبًا وعاطفيًا. فلنفترض. هل الفعل العقلاني أفضل دائمًا؟ هل كان يجدر بالزيدي طرح سؤال على "المستر بريزدنت" والعودة للجلوس بأدب أمامه بدلا من إهدائه صرماية مسدّدة؟ هذا السؤال ثار في باب إعمال التفكير في الأخلاقيات المِهْنية لدى الصحفي. وكأنّ الصحفي أداة ميكانيكية جامدة يُفترض بها التصرّف بموجب تعليمات "كاتالوغ". لا حاجة بنا للإسهاب في مسألة تجاوزِنا لشائعة "موضوعية الصحافة". يكفي رؤية عمليات تزييف الوعي العام التي تتقنها وسائل الإعلام الثريّة الطاغية في كل مكان. ثم ان الأخلاقيات المهْنيّة تستحق التطبيق على سياسيين يعرفون حدًا أدنى من معنى الأخلاق ويمارسونه. أما جورج بوش، بشخصه وبما يمثّله معًا، فليس أنه بريءٌ من "تهمة الأخلاق" فحسب، بل إنه أحد أعتى أعدائها وأكبر ماقتيها. فكيف نواجهه بما يمقته؟ حرام..
قال زياد رحباني مرة ما معناه: لا يمكنني ممارسة أخلاقي الشيوعية مع رأسماليين، بالعكس تمامًا، فمع الرأسمالي يجب أن تكون أسوأ منه، مع الرأسمالي كنْ بأخلاقيات إقطاعيّ. لست متأكدًا من صحة هذه المعادلة في كل حال، لكنها في حال الرفيق الزيدي معادلة ثاقبة. فالمسؤول عن حرب إبادة تدميرية بحق شعب بأكمله، غايتها الوحيدة تطوير وحشية وسائل الهيمنة والنّهب، لن يكون كثيرًا على شخصه السامي ضربة احتجاجية بصرماية أو "جوز كنادر". لا، بل إنّ هذا هو أضعف الإيمان.
أخيرًا: هناك عدد من الصرامي الشهيرة في التاريخ، الفعليّ منه والأدبي. منها صرماية الرئيس السوفييتي نيكيتا خروتشوف التي دقّ بها منصّة اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1960 أمام انفلات ممثلي الولايات المتحدة ومجروراتها. وهناك صرماية سندريلا الأسطورية. وصرماية أبو القاسم الطنبوري المشاغبة. وهناك واقعة اغتيالٍ بالقباقيب راحت ضحيتها الحاكمة العربية شجرة الدر داخل قصرها في القاهرة مطلع العهد المملوكي. ولكن، مع الإحترام لمكانة جميع تلك الصّرامي، تبقى الصرماية التي سدّدها الرفيق منتظر الزيدي باتجاه خِلقة مجرم الحرب جورج بوش هي الصرماية التاريخية بامتياز. فلنغيّث علّ انهمار سيل الصرامي لا ينقطع عن رؤوس الطواغيت. آآآمين..

الجمعة 19/12/2008


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع