الستالينية – مرشد سيّئ للعمل

اوري فلتمان


على الشيوعيين الذين لا يريدون ان يقود الاخوان المسلمون وانصار الامبريالية المظاهرات في سوريا، ان يظهروا تضامنهم مع الاحتجاج الشعبي الدمقراطي والوقوف إلى جانبه

 

*كماركسيين، نحن نحلل الواقع المركب من حيث تطوره، ندرسه لنفهم السيرورات العميقة التي تبلوره والتناقضات الداخلية التي تميزه، ولا نطليها بشكل مصطنع بالوان الابيض والاسود، كأنما حتى نسهّل على أنفسنا اختيار جانب ما*

**
في هذه الايام، نُحيي الذكرى الرابعة والتسعين لثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى (25 اكتوبر حسب التقويم القديم، 7 نوفمبر حسب التقويم الجديد). العمال والفلاحون في روسيا، بقيادة فلاديمير لينين والحزب البلشفي، اطاحوا بالسلطة البرجوازية المتعفنة، واقاموا للمرة الاولى في التاريخ، حكمًا ديمقراطيًا مؤلفا من مجالس، حكمًا اشتراكيًا.
الشعب السوفييتي منذ 1917 وعلى مدى كل سنوات وجود الاتحاد السوفييتي حقق في عمله المخلص وبقيادة الحزب الشيوعي انجازات اجتماعية وثقافية غير مسبوقة. فقد استبدل الاضطهاد القومي بالصداقة بين الشعوب، وهزم بشجاعة المانيا النازية.
لكن بالنسبة  لتطور الاشتراكية فقد اساء الدور السلبي الذي انتهجه يوسف ستالين لتطور الحكم في الاتحاد السوفييتي. والاتحاد السوفييتي نفسه كشف الجرائم الخطيرة التي جرى تنفيذها في فترة حكمه، ومدى مسؤوليته عن المساس الخطير بحقوق الانسان.
الخط الذي انتهجه ستالين، والذي ولّد تشويهات، اخطاء وجرائم، لا يزال مرشدًَا سيئًا للعمل، ليس فقط في الاتحاد السوفييتي في الظروف التي سادت آنذاك، وإنما في بلدان اخرى في الظروف التي ما زالت قائمة حتى اليوم.

 

*موقف الشيوعيين من ستالين*


ان الاجماع اليوم في الحركة الشيوعية الدولية هو ان الستالينية تشكل انحرافًا عن الماركسية اللينينية، وليس تطورًا لها. الاحزاب الشيوعية، في اغلبها، ترفض الستالينية، نظريًا وعمليًا. وقلة من الاحزاب فقط ما زالت تعلن عن نفسها وعلى المكشوف كستالينية، وهي، تقريبا كلها، احزاب صغيرة، هامشية وعديمة التأثير.
حزبنا كذلك يرفض الستالينية، فمنذ سنوات الخمسين انتقد الحزب الجرائم خلال فترة تقديس شخصية ستالين. في المؤتمر الـ21 للحزب الشيوعي (1990) أشرنا ان "المؤتمر الـ20 للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي كشف في 1956 الحقيقة، والتشويهات والجرائم التي نفذت في ايام ستالين. وحزبنا ادانها". كذلك في المؤتمر الـ 22 للحزب (1993) الذي عقد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، شددنا على انه "يجب توجيه انتقاد للاخطاء والتشويهات التي كانت ضد جوهر الاشتراكية، وخاصة الجرائم التي جرت في فترة حكم ستالين".
معنى ذلك هو انه على نقيض الذين ينفون اي نقد لظواهر في الاتحاد السوفييتي، فإن نقد الجانب غير الدمقراطي والمجرم في سياسة ستالين ليس معناه التحوّل الى تنقيحي او انتهازي، او لمناصر لغورباتشوف! هذا النقد هو جزء من العالم الفكري للحزب الشيوعي الاسرائيلي، كحزب ماركسي – لينيني – ثوري ونقدي، تعلم الدرس لاستخلاص العبر ايجابًا وسلبًا، من التجارب الاشتراكية في القرن العشرين.
اذا جاء أي من اعداء الاشتراكية ليدعي انه في فترة ستالين نفذت جرائم، فهل عليّ ان  اعارض اقواله هذه، فقط لانه عدو للاشتراكية؟ كلا. جوابي يكون انه محق بالنسبة لستالين، ومخطئ بالنسبة لكل ما تبقى. على ذات النسق، اذا ادعى الشخص نفسه ان الشمس تشرق من الشرق، فهل علي ان اعترض على كلامه، فقط لانه عدو للاشتراكية؟ كلا. جوابي يكون انه محق بالنسبة لاتجاه شروق الشمس، ومخطئ بالنسبة لكل ما تبقى.
موقفنا بالنسبة للستالينية اُقر بالدقة في تقرير اللجنة المركزية الذي قدمه السكرتير العام، محمد نفاع، للمؤتمر الـ23 للحزب الشيوعي الاسرائيلي (1997) والذي جاء فيه: "الحزب الشيوعي الاسرائيلي يعود ويؤكد، انه لن يكون اشتراكيا-دمقراطيًا وليس ستالينيًا، انما شيوعيًا". هذا الموقف الصحيح ما زال يميز طريق حزبنا، وما زال يلزم اعضاءه وقيادته.
وليس صدفة اننا عرّفنا حزبنا كما عرفناه. وكماركسيين، نحن نحلل الواقع المركب من حيث تطوره، ندرس لنفهم السيرورات العميقة التي تبلوره والتناقضات الداخلية التي تميزه، ولا نطليها بشكل مصطنع بالوان الابيض والاسود، كأنما حتى نسهّل على أنفسنا اختيار جانب ما.
نحن كماركسيين نرفض الستالينية كمفهوم ايضًا لانها كبحت الفكر الشيوعي الخلاق، وكذلك لتجنب الاخطاء، مثلا – في مسألة الموقف من الامبريالية ومن نضال الشعوب.

 

*مهمة الامبريالية*


في 1965 حدث انشقاق في حزبنا، وتركته مجموعة ميكونس وسنيه الانتهازية، التي سرعان ما تدهورت نحو مواقف معادية للاتحاد السوفييتي ومؤيدة للصهيونية، وكذلك أيدت حرب 1967. وأحد الأسباب لترك الانفصاليين، كان اعتراضهم على شعار الحزب: "ليس مع الامبريالية ضد الشعوب العربية، إنما مع الشعوب العربية ضد الامبريالية".
هذا الشعار، الذي كان صحيحًا في حينه، صحيح اليوم ايضًا بأضعاف مضاعفة، في الوضع الذي يحتل فيه جيش الولايات المتحدة منذ سنين أفغانستان والعراق، وحيث جيوش الناتو تقصف ليبيا من الجو، وحيث الولايات المتحدة وفرنسا تنبشان بما يجري في سوريا. نحن ضد هذه الخطوات لأننا نعرف جيدًا أن الامبريالية لم تدافع في حياتها عن حقوق الإنسان، ولم تدعم أبدًا حرية الشعوب، وكذلك لم تدعم الدمقراطية والعدالة الاجتماعية، وإنما تدخلت دائما للدفاع عن مصالح الشركات الكبيرة في بلادها، على حساب الشعوب، حريتها ورفاهيتها وحقوقها.
هناك من لا يعرفون، أو أنهم ينسون هذه الحقيقة بالنسبة لطابع الامبريالية القاتل. فمقابل شعار حزبنا التاريخي "ليس مع الامبريالية ضد الشعوب العربية وإنما مع الشعوب العربية ضد الامبريالية"، هؤلاء يعتقدون انه علينا أن نكون "مع الامبريالية ومع الشعوب العربية". بحسب ادعائهم، فان ضمان نجاح الربيع العربي يكون من خلال تسخيره للعربة الامبريالية، وخدمة السياسة الخارجية للولايات المتحدة وحلفائها.
لا يمكن أن نمسك بالعصا من كلا الطرفين. من يقف إلى جانب قصف الناتو في ليبيا لا يقف بجانب الشعب الليبي؛ من يرحب بمشاركة سفير الولايات المتحدة بالمظاهرات في سوريا، لا يقف بجانب الشعب السوري. هذا النهج خطير وخاطئ.
سيحصل الشعب الليبي على الاستقلال والدمقراطية من خلال نضاله الذاتي. سيحصل الشعب السوري على الاستقلال والدمقراطية من خلال نضاله الذاتي. ممنوع استبدال الدكتاتور من الداخل بدكتاتور من الخارج. بالقدر الذي تتدخل به الامبريالية بالمظاهرات في سورية، فانها تفعل ذلك ليس لتضمن حرية الشعب، ولكن من اجل ضمان حريتها في استغلال الشعب من خلال الحكم الذي تريد إقامته هناك، حكم عبيد عميل، شبيه بحكومة كرزاي في أفغانستان وحكومة الدمى التي أقامها الأمريكان في العراق.

 

*النضال من أجل الديمقراطية لا يمس بالنضال لمكافحة الامبريالية*


بين الذين يحذرون من الامبريالية، هنالك من يقللون من أهمية نضال العمال والاطر الديمقراطية ضد البرجوازية المحلية وضد الطغيان في بلادهم. خطر التدخل الامبريالي في المنطقة هو خطر حقيقي ويجب التحذير من محاولة الولايات المتحدة وحلفائها التلاعب بنضال الشعوب، من اجل تحصين مواقفها. ولكن عندما نقوم بالتحذير من هذا التدخل يجب أن لا نصل إلى حد نفي الانتفاضة الشعبية ضد النظام القمعي، على الرغم من أن هذا النظام، في سياسته الخارجية ، لا يسير في مسار الامبريالية. في حال وصولنا إلى هذا الموقف، فانه يعني بشكل موضوعي: "ضد الامبريالية وضد الشعوب العربية"، وبالتالي – يختلف عن الشعار التاريخي للحزب.
هل كل متظاهر في سوريا هو من الاخوان المسلمين؟ هل كل متظاهر في سوريا يريد استعباد الاستقلال الوطني لبلده وجعل اقتصادها مداسًا لرأس المال الأجنبي؟ لا، ليس هذا هو الوضع. من المعروف أن هنالك من بين المتظاهرين أقلية تضغط من اجل الكفاح المسلح ضد  القوات الحكومية والمزودة بأسلحة من قبل عملاء الولايات المتحدة. ولكن الملايين التي خرجت إلى الشوارع وضعت أمام أعينها هدفًا مختلفًا: دمقرطة النظام، حقوق الإنسان، مساواة وعدالة اجتماعية.
ولأننا معنيون بأن يكون الخط اليساري المثابر، المناهض للامبريالية، المناهض للرأسمالية، الدمقراطي والمستقل حقيقة، هو من يعطي نبض الشارع لدى المتظاهرين في سوريا، يجب علينا، كشيوعيين، ان نبرهن لحركة الاحتجاج التقدمية انها تتمتع بتضامن المعسكر التقدمي في العالم اجمع. ليس لدينا أي حق في القول للمطالبين بالحرية في سوريا انه بسب مخاطر التدخل الامبريالي يجب إلا يناضلوا من اجل تغييرات متقدمة في النظام الداخلي في بلدهم في الوقت الحالي.
بالذات لأن الرجعيين يشاركون في الحركة الجماهيرية للشعب السوري، يجب علينا كشيوعيين، ان ندعم مشاركة اليسار المثابر داخل حركة الاحتجاج من خلال رفع شعاراته بشكل واضح. وهكذا يتم الاثبات لجماهير الشعب السوري انه لا يجب ان يكون المرء من الاخوان المسلمين أو عميل قوة أجنبية لكي يدعم التغييرات في سوريا، وان هنالك إمكانية تغيير من نوع آخر – تغيير يضمن الحريات الدمقراطية ولكن لا يخضع للنظام الامبريالي في المنطقة.
وكمثال على الاستعمال الصحيح لهذا الخط، للمشاركة بهدف القيادة، رأينا في لبنان 2006: عندما شنت إسرائيل حربها العدوانية على لبنان، قرر الحزب الشيوعي اللبناني المشاركة الفاعلة في مقاومة الغزو العسكري الأجنبي.  بهذه الطريقة برهن لجماهير الشعب اللبناني ان الشيوعيين هم الوطنيون الحقيقيون، ولم يترك الساحة المناهضة للامبريالية لحزب الله. وكما هو الحال في لبنان كذلك في سوريا، لا يجب على اليسار المثابر التخلي عن ساحة النضال وتركها بأيدي العناصر الرجعية.
بوحي من النضال الشعبي ضد الحكام المستبدين في تونس ومصر، خرج المتظاهرون في سوريا إلى الشوارع من اجل الحق باختيار قيادتهم الوطنية بشكل دمقراطي وضد توريث الحكم؛ من اجل الحق في تنظيم نقابي مهني؛ من اجل الحق في الإضراب من اجل أجور ملائمة؛ هؤلاء المتظاهرون هم إخوتنا، أصدقاؤنا وحلفاؤنا، ويستحقون منا تضامننا كله.
لذلك، على الشيوعيين الذين لا يريدون ان يقود الاخوان المسلمون وانصار الامبريالية المظاهرات في سوريا، ان يظهروا تضامنهم مع الاحتجاج الشعبي الدمقراطي والوقوف إلى جانبه.

الجمعة 28/10/2011


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع