علينا أن نتعاضد


د. خالد تركي


كيف يمكن لرجل دين أن يفقد إنسانيَّته ويتجاهل دعوَتَه بدعوَتِه أبناء رعيَّته وغيرهم من المسيحيِّين إلى الخدمة العسكريَّة، إن كان تجنيدًا إجباريًّا أو اختياريًّا، في جيش احتلال وقهر وقمع يُداوِم على التَّنكيل بشعب البلاد الأصليِّ ويحتلُّ أرضه وبيته ويُصادر سكينته وبسمته وكلَّ ما تبقَّى له منها وينفيه ويرميه خارج حدود وطنه إلى أحضان اللجوء القسري ليسكن المخيَّمات في الدُّول المجاورة ويضطَّهد ويذِلُّ من بقيَ بأساليب شتَّى ويُزجّ ببعضهم في السِّجون، وهو يكفرُ برسالته المقدَّسة التي ارتسم من أجلها كاهنًا مبشِّرًا وراعيًا صالحًا وأبًا مخلِصًا لأبناء رعيَّته ودليلاً منيرًا على طريق الخير والسَّلام والمحبَّة والتَّسامح..
إنَّ الاجتماع الذي عُقِدَ، أخيرًا، في قرية يافة الجليليَّة الجليلة والشَّريفة، يافة التي اقترن اسمها بناصرة العرب والبلاد، يافة النَّاصرة، كما اقترنت يافا بمدينة القدس لتكون يافة القدس، لهو دليل قاطع على أنَّ رسالته الإنسانيَّة قد انتهت وابتدأت بعدها مرحلته الجديدة في بيعَتِه للطَّاغوت والجلاد وفي زجِّ شبابنا العربيِّ في أتون نار ليكونوا فيه وقود الجهل والطَّيش والغباوة الذَّاتيَّة والعدميَّة القوميَّة والتَّاريخيَّة والاجتماعيَّة. وهذا لا يرضى به أيُّ أبٍ لأبنائه وبناته فلذات كبده، فالأب المثاليُّ والرَّاعي الصَّالح يربِّي أبناءه على الكرامة والشَّجاعة والشَّهامة والنَّخوة والنَّجاح وعزَّة النَّفس والذَّود عن حياض الوطن وعن أبنائه وعلى تحقيق الذَّات لإيجاد الذَّات وليس الضَّياع والخنوع والرُّكوع وجلد الذَّات. كيف يجرؤ من ادَّعى الأبوِيَّة أن يعقدَ اجتماعه في هذه القرية النَّبيلة الواعدة، التي احتضنت مئات اللاجئين من القرى المجاورة يوم نكبة فلسطين، من معلول المجيدل وصفُّورية ولوبيا وغيرها، وكيف يتجاسر "أبونا" بأن يطلب من "أبنائه" الإخلاص لمنتهك حرمات البلاد والإخلاص للجلاد وخدمته، والوقوف إلى جانب الظَّالم والقامع، وكيف يُقدِم على أن يطلبَ الطَّلب نفسه، من أبناء شعبنا الذين يعيشون تحت نير التَّفرقة العنصريَّة والاضطِّهاد القوميِّ، إنَّ هذا النِّداء يتعدَّى قضيَّة اللُحمة الوطنيَّة والحسِّ الوطنيِّ والتآخي بين جميع الطَّوائف والمذاهب، لأنَّه صوت يَصُبُّ في خانة خيانة الوطن العُظمى، ولأنَّ فحيحَ هذه الدَّعوة يدعو إلى شرخ هذا الجزء الحيِّ والواعي والنَّابض بالعروبة عن قومهِ ونزعِهِ من لبِّ قضايا شعبه ونضاله ليودعه في حضن الدُّبِّ، "أمانةً"..
فقبل أن يُطلب من ابن المجيدل ومعلول وباقي القرى المسكونة والمهجَّرة أن يتجنَّد في جيش احتلال بلده، عليه أن يُناجيه ويُعبِّئه روحيًّا وجسديًّا لتحرير كنيسته من الدَّنَس والرِّجس، بعد أن أصبحت هذه الأماكن المقدَّسة من أوقاف وأماكن عبادة وأديرة مراتع الزُّعران أو اسطبلات للبهائم أو زرائب للدَّواب أو مخازن للعلف أو أشياء أُخرى، كيف يُمكن لرجل دين أن يدعو شبابه إلى حمل السِّلاح والانخراط في جيشٍ كان وما زال السَّبب في نكبة وعذاب وظلم وتشتُّت شعوب أخرى في شرقنا العربيِّ..
كان حريٌّا برجل الدِّين أن يدعو أبناء طائفته إلى أن يقفوا إلى جانب المعذَّبين والأشقياء والمظلومين والمضطَّهدين من أبناء شعبهم ومن الشُّعوب الأخرى لنصرتهم وعليه أن يُطالبهم ويحثَّهم بأن لا يقفوا مكتوفي الأيدي أمام ما يجري في منطقتنا من ظلم وغبن وإجحاف وعنصريَّة واضطِّهاد، إذا أرادوا أن يعيشوا فوق أرضهم بكرامة وحرِّيَّة وعِزَّة نفسٍ..
علينا أن نتعاضد مع باقي فئات شعبنا العربيِّ، بجميع طوائفه ومذاهبه، ونلتحم صفًّا واحدًا، صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ وأن نكون يقظين، إنَّها فتنة ومؤامرة تُحاك ضدَّنا كشعب ووجود عربيٍّ ونتأهَّب لتحرير المقدَّسات والأوقاف لمصلحة أبنائها،لإعادتها إليهم ولعودتهم إليها..

الخميس 20/6/2013


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع