يهودية الدولة وحلّ الدولتين


محمد بركة


لعبة الوقت هي لعبة الحركة الصهيونية.. الاستيطان مستمرّ!

 

  • قرار الجمعية العامة 181 المعروف بقرار التقسيم لم يقر على الإطلاق بإنشاء دولة عرقية أو على أساس ديني ولم يقر على الإطلاق تهجير غالبية الشعب الفلسطيني، ولم يقر جواز ضم أراضي الدولة الفلسطينية (العربية) إلى الدولة "اليهودية" (إسرائيل لاحقا).
  • ان التّدرّج: من الادعاء الكاذب "بموافقة" الحركة الصهيونية على قرار التقسيم 1947، ثم تثبيت دولة إسرائيل في حدود 1948 ثم الحديث بعد حزيران 1967 أن المناطق المحتلة عام 1967 هي وديعة للوصول إلى السلام، إلى اقامة الكتل الاستيطانية، وإقامة الجدار  العنصري الفاصل كحدود "أمنية" لتحويله إلى حدود سياسية يدلّ على ان اسرائيل تفرض الوقائع على الارض لتصبح نقطة البداية في اية عملية تفاوضية.

 


في الذكرى الستين لقرار التقسيم وتحديدا في 28\11\2007 قدمت مداخلة  حول الموضوع في العاصمة الاسبانية، مدريد، بدعوة من مؤسسة "البيت العربي" تعرضت فيها لموضوع حلّ الدولتين وموضوع قرار التقسيم.
على خلفية استعار النقاش من جديد حول الاشتراط الاسرائيلي الكولونيالي بضرورة الاعتراف بيهودية اسرائيل من جهة، وحول الجدوى من طرح حلّ الدولتين في ظل توغّل وتغوّل الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة والقدس العربية، وجدت من المناسب ان أعود الى المداخلة الآنفة الذكر مع رَفْدِها بما يلزم من الوقائع التي استجدّت بعد الذكرى الستين.
 لقد طُرِح شرط الاعتراف بيهودية اسرائيل لأول مرة في اطار المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية في مؤتمر "انابوليس" في 27\11\2007 من قبل حكومة اولمرت وبمباركة الرئيس الأميركي الاسبق جورج بوش. 
في خطابه باللغة العبرية، في البرلمان التركي، في 13\11\2007، قال رئيس دولة إسرائيل، شمعون بيرس، "إن هدفنا هو إقامة دولتين لشعبينا، دولة فلسطينية للشعب الفلسطيني، ودولة يهودية للشعب اليهودي".
بينما ذهبت وزيرة الخارجية الإسرائيلية، تسيبي ليفني في حينه، إلى أبعد من ذلك، على مسمع وزير خارجية فرنسا، الذي كان ضيفها عندما أكدت أن الدولة اليهودية هي الحل القومي لكل اليهود، والدولة الفلسطينية هي الحل القومي لكل الفلسطينيين، بمن فيهم الفلسطينيين المواطنين في دولة إسرائيل، واللاجئين الذين هُجروا من بيوتهم خلال نكبة الشعب الفلسطيني.
اما رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو فقد تجاوز تعبير "يهودية الدولة" الى اشتراط "الاقرار الفلسطيني العلني والملزم والصادق بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي" كما جاء في خطابه المشهور في جامعة بار ايلان في 14\6\2009، بمعنى مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بجوهر الأيديولوجية الصهيونية العملي وهو جمع "الشتات" اليهودي من كل انحاء العالم وفي نفس الوقت يطالب نتنياهو الفلسطينيين "بالموافقة على ان تجد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين حلّا لها خارج حدود دولة اسرائيل" (الخطاب نفسه).
في الايام الاخيرة "تكرّم" نتنياهو بالقول ان الاعتراف بيهودية اسرائيل ليست شرطا للتفاوض ولكنه ابقى عليه شرطا للحلّ.
بينما أفرط الرئيس الامريكي اوباما في خطابه الاخير في اسرائيل (21\3\2013) بالتزلف للصهيونية عموما وليهودية الدولة على طريق سالفه بوش.
بالمقابل يتحدث المسؤولون الإسرائيليون عن حل الدولتين وكأن دولة إسرائيل لم تقم بعد، وكأن اللاجئين لم يُقذفوا خارج وطنهم، وكأن موجات الهجرة اليهودية لم تكن أصلا، وكأن إسرائيل لم تقم في 1948 على مساحة تجاوزت قرار التقسيم ثم استكملت الاستيلاء على ما تبقى من فلسطين في العام 1967.

***

لقد جرى اعتماد قرار التقسيم في الأمم المتحدة لإنهاء الانتداب البريطاني، في ظل استحالة إقامة دولة واحدة ديمقراطية ومشتركة لجميع سكان فلسطين بسبب مخططات الحركة الصهيونية ودعم الاستعمار البريطاني لها، وتواطؤ الرجعية العربية. وجرت صياغته في ظل الإلحاح على الضمير الغربي بعد جرائم النازية الفظيعة التي ارتكبت بحق اليهود والسعي "لحل المسألة اليهودية"، ليس في إطار المجتمعات التي عاشوا فيها.
إن قرار التقسيم هو قرار مجحف بحق الفلسطينيين- أهل البلاد الأصليين وغالبية سكان فلسطين الساحقة- ولكن الموافقة عليه جاءت لضمان إمكانيات الحياة لأهل البلاد ولأفشال مشروع الاحتلال البريطاني متمثلا بوعد بلفور الذي خطط لجعل فلسطين كلها وطنا قوميا لليهود.
صحيح أن قرار 181 تحدث عن إقامة دولتين: دولة يهودية ودولة عربية، ولكن القرار لم يكن هكذا سطرا واحدا، فحدود "الدولة اليهودية"  تشمل 56% من مساحة فلسطين، وتشكل صحراء النقب غالبية مساحتها، ويشكل الفلسطينيون الذين كان من المفترض أن يعيشوا فيها 43% من مجموع السكان.
إن الدولة اليهودية في قرار التقسيم هي ليست دولة إسرائيل في 15 أيار/ مايو 1948، وليس إسرائيل في 11 حزيران/ يونيو 1967، وليست دولة إسرائيل التي أرادها مؤسسوها "نظيفة من العرب".
بينما "الدولة العربية" في قرار التقسيم ليست دولة اللاجئين وليست دولة على أقل من 22% من مساحة فلسطين، وليست دولة الاستيطان وليست دولة الجدار.
لذلك فإن استعارة المسؤولين الإسرائيليين لمصطلحات قرار التقسيم لاستعمالها في واقع اليوم، لا تمت إلى قرار التقسيم بأي صلة، ليس هذا فحسب، فقرار التقسيم 181 تضمن بنودا واضحة ، تكفل الحريات والحقوق الأساسية والثقافية والدينية للأقلية في كل من الدولتين، وبالأخص في الفصلين الثاني والثالث.
تضمن القرار 181 حرية المرور المطلقة بين الدولتين، وتضمن البند الثامن من الفصل الثاني عدم جواز نزع ملكية الأرض من أي مواطن وتضمن تثبيت مواطنة كل مواطن في الدولة التي يعيش فيها.
لقد تضمن القرار 181- قرار التقسيم- إقامة مجلس اقتصادي مشترك يدير اقتصادا مشتركا وموحدا للدولتين.
أما البند الحادي عشر من الفصل الأول، فقد تحدث بصريح العبارة عن أن شروط إقامة الدولتين هي شروط صارمة، لأنه "يجب إقرارها في الدولتين في إطار قانون أساسي"، أي أن الشروط هي مكوّن دستوري من مكونات كلتا الدولتين.
وهذا يعني أن قرار الجمعية العامة 181 المعروف بقرار التقسيم لم يقر على الإطلاق بإنشاء دولة عرقية أو على أساس ديني ولم يقر على الإطلاق تهجير غالبية الشعب الفلسطيني، ولم يقر جواز ضم أراضي الدولة الفلسطينية (العربية) إلى الدولة "اليهودية" (إسرائيل لاحقا).
في مقدمة إعلان إقامة دولة إسرائيل (وثيقة الاستقلال 14\5\1948)، جاء أن ضمن الأسس التي قامت عليها إسرائيل هو قرار الجمعية العامة 181، وعندما تقدمت إسرائيل لعضوية الأمم المتحدة في العام 1949 تعهدت بتنفيذ قرار التقسيم رقم 181، كشرط لقبولها، ولذلك فإن الشرعية الدولية لقيام إسرائيل وحتى شرعية انضمامها الى الأسرة الدولية، ضمن ما تعهدت هي به، تظل منقوصة وحتى لاغية بالمفهوم القانوني طالما لم تقم الدولة العربية الفلسطينية التي تشكل مركبا عضويا لقرار التقسيم.

***

من السهل الوقوع- في سياق تبرير الرفض الطبيعي لهذا الاشتراط غير المسبوق المسمى الاعتراف بيهودية الدولة- في مطبّ مفاده أن تعريف إسرائيل هو شأن داخلي إسرائيلي....
لكن كيف يمكن الاعتراف بيهودية إسرائيل فلسطينيا ودوليا بينما قامت إسرائيل على مساحة أكبر من المساحة المعدة لها في قرار 181، وكيف يمكن الاعتراف بيهودية إسرائيل طالما "اكتسبت" يهوديتها من تهجير غالبية الشعب الفلسطيني، وإخلاء وطنه منه؟

طالما لم تقم الدولة الفلسطينية المستقلة، ولم تحل قضية اللاجئين فإن تعريف إسرائيل ليس شأنا داخليا، إنما هو متعلق بتطبيق الشرعية الدولية، وخاصة القرار 181 بشأن الدولة الفلسطينية، والقرار 194 بشأن قضية اللاجئين.
ويسأل السؤال، ما الهدف الإسرائيلي من طرح مسألة يهودية الدولة، هل هي فعلا بحاجة إلى اعتراف المفاوض الفلسطيني بطابع دولة اسرائيل؟
إن الحفاظ على الطابع اليهودي وعلى الأغلبية اليهودية ومطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بها كدولة يهودية انما تأتي للأهداف التالية:
1- تبرير مبدأ الصهيونية الأساسي وهو ما يسمى جمع الشتات وأن إسرائيل هي "الحل القومي" لكل من يدين باليهودية في أي مكان في العالم.
2- تبرير لضم الكتل الاستيطانية -وضم غالبية القدس العربية بحكم وجود 200 ألف مستوطن في محيطها- والاعتراف بالجدار الذي أقيم على أساس العزل العنصري كحدود سياسية لأطماع إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة.
3- تكريس وضع المواطنين العرب الفلسطينيين في دولة إسرائيل كمواطنين من الدرجة الثالثة ومواصلة التمييز والعنصرية ضدهم.
4- التلويح بسيف تنفيذ مخططات الترانسفير والتبادل السكاني علما ان الترانسفير لم يَعُدْ هذيانا في هامش السياسة الاسرائيلية انما جزء من التيار المركزي الحاكم في اسرائيل، وما "مشروع برافر"  الذي اقرّته حكومة نتنياهو السابقة في جلستها الاولى بعد الانتخابات الاخيرة، لمصادرة اكثر من 700 الف دونم من أراضي المواطنين العرب في النقب وتهجير اكثر من 40 الف منهم الّا تعبير فظ وصارخ عن هذه العقلية الاقتلاعية.
من جهة اخرى سيعمل الائتلاف الحالي برئاسة نتنياهو حسب نصوص الاتفاق الائتلافي الى اقرار قانون اساسي في الكنيست تحت عنوان "اسرائيل دولة الشعب اليهودي" لتثبيت سياسة التمييز العنصري التي تمارس ضد المواطنين العرب الفلسطينيين فيه وفي البدء الغاء مكانة اللغة العربية كلغة رسمية وهذا ما اقرّته اللجنة الوزارية لشؤون التشريع قبل اقلّ من اسبوعيْن.
5- إغلاق الباب كليا أمام حق العودة وأمام حل قضية اللاجئين.

***

بناء عليه فإن دولة إسرائيل تريد اعترافا فلسطينيا ودوليا بها كدولة يهودية وصهيونية، وبفعل ذلك يجري إسقاط كل قضايا مفاوضات الحل الدائم (القدس واللاجئين والحدود والاستيطان) حتى قبل بدء التفاوض.
جاء في وثيقة إعلان استقلال فلسطين الصادرة في 15/11/1988، ما يلي: "ومع الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني بتشريده وحرمانه من حق تقرير المصير، اثر قرار الجمعية العامة رقم 181 عام 1948، الذي قسّم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، فإن هذا القرار ما زال يوفر شروطا للشرعية الدولية تضمن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطني.
ان احتلال القوات الإسرائيلية للأرض الفلسطينية وأجزاء من الأراضي العربية واقتلاع غالبية الفلسطينيين وتشريدهم عن ديارهم، بقوة الارهاب المنظم، واخضاع الباقين منهم للاحتلال والاضطهاد ولعمليات تدمير معالم حياتهم الوطنية، هو انتهاك صارخ لمبادئ الشرعية ولميثاق الأمم المتحدة ولقراراتها، التي تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية بما فيها حق العودة وحق تقرير المصير والاستقلال والسيادة على أرضه ووطنه".
إن الإلحاح الإنساني والدولي يجب ان يكون منصبا الآن ليس على "إعادة صياغة" الكيان الإسرائيلي، وإنما على توفير أسس الحياة والكرامة والاستقلال للشعب الفلسطيني.
القضية ليست إقامة إسرائيل من جديد وتعريفها، بل إن القضية الأساس هي إقامة فلسطين التي غُيّبت عن التاريخ وعن الجغرافيا وعن الحياة، لذلك يجب عدم الوقوع في الشرك الإسرائيلي لإسقاط شعار الدولتين، لأن تنفيذ هذا القرار يعني اليوم والآن، بشكل واضح ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
إن لعبة الوقت هي لعبة الحركة الصهيونية ولعبة إسرائيل الرسمية، ففيها تواجه العالم بالأمر الواقع، وبها تحاول اخضاع شروط التفاوض للأمر الواقع الذي تفرضه على الارض بالتعنت العنصري وبقوة الاحتلال وبالدعم الامبريالي.
ان التّدرّج: من الادعاء الكاذب "بموافقة" الحركة الصهيونية على قرار التقسيم 1947، ثم تثبيت دولة إسرائيل في حدود 1948 ثم الحديث بعد حزيران 1967 أن المناطق المحتلة عام 1967 هي وديعة للوصول إلى السلام، إلى اقامة الكتل الاستيطانية، وإقامة الجدار  العنصري الفاصل كحدود "أمنية" لتحويله إلى حدود سياسية يدلّ على ان اسرائيل تفرض الوقائع على الارض لتصبح نقطة البداية في اية عملية تفاوضية.
إن لعبة الوقت والمماطلة الإسرائيلية تتطلب توحيد وتصعيد وتسريع الجهود الدولية والاقليمية للتوصل إلى سلام والى حل القضية الفلسطينية على أساس الشرعية الدولية كمرجعية أساس.
ان الاعتراف بفلسطين كدولة غير عضو في الامم المتحدة يعتبر انجازا هاما للحقوق الفلسطينية لأنه يدفع في اتجاه اجراء المفاوضات على سبل تنفيذ الانسحاب من اراضي دولة عضو في الامم المتحدة وليس التفاوض على مستقبل اراض " متنازع عليها".
ان القبول الفلسطيني بحل الدولتين وقبولنا نحن الفلسطينيين في اسرائيل بحل الدولتين لا يعني باي شكل من الاشكال الموافقة على ضرب الحقوق القومية والمدنية للفلسطينيين في اسرائيل فحن لسنا طارئين ولا مهاجرين ولا مستوطنين وقد ثبتنا ذلك في عدد من الوثائق المؤسِّسة لجماهيرنا العربية من ادبيات الحزب الشيوعي والجبهة ال وثيقة مؤتمر الجماهير العربية (1980) الى مشروع قانون المساواة الذي طرحناه على طاولة الكنيست (يناير\كانون ثانٍ 2000) الى التصور المستقبلي.
في هذا السياق على العالم الغربي ان يتحمل مسؤولياته وخاصة عدم تحميل الفلسطينيين عموما وفي داخل اسرائيل خصوصا وزر دعم الغرب للمشروع الصهيوني "لتطهير" ضميره جراء الجرائم التي ارتكبها ضد اليهود في الحقبة الاكثر ظلاما ودموية في التاريخ البشري الحديث اي الحقبة النازية، وتحميل الفلسطينيين بالتالي ثمن تلك الفظائع.

 

 




الحرية لفلسطين - على العالم الغربي ان يتحمل مسؤولياته

السبت 22/6/2013



© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع