الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة - حيفا. aljabha.org@gmail.com - هاتف: 048536504 - فاكس: 048516483





 



 

ثلاث حكايات من صديق إلى رفيق





وليد الفاهوم

السبت 22/6/2013

لوحة "طائر السنونو" للرسام نبيل ابو غنيمة

 

  • في أعقاب حوادث 1948 قبيل الاحتلال جاء إلى والدي شاب يُدعى عبد الرحيم محمود.. وكان شاعرا وضابطا في جيش الإنقاذ قال له: يا أبا محمد.. يا عمي إبراهيم! إلحق! قال: ماذا؟ قال: الجيش إعتقل ستة من سكان الناصرة بتهمة الشيوعية والخيانة.. ويريدون تسفيرهم إلى دمشق... وإذا ما تمّ ذلك فلن يصلوا دمشق أبدا!

 


(3)حكاية الهجوم أو ظلم ذوي القربى
    
لقد سبق وأسميتها "طوشة" لكنها في الواقع لم تكن كذلك، لأنها كانت هجوما مدبَّرا مخططا له  من وراء كواليس الحكم العسكري. راح ضحيته طبل كبير وطقم طبول صغار وحوالي عشر أدوات نفخ- عدة نحاسية كاملة من جميع الأشكال والأحجام و... بيانو وعود ودف ودربكة وكمان. ولولا أن الله قدّر ولطف لكان من الممكن أن تكون الضحايا بشرية. ساعتئذ يتساوى القاتل والضحية، وكم اعتاد شعبنا الفلسطيني على مثل تلك المعادلة الجائرة.. وكم نجح الجلاد الأساسي في قصة بطيخ يكسر بعضه البعض، وفرّق تسد وتفتيت الوطن والوطنية إلى عائلات وعشائر وقبائل متطاحنة وإلى طوائف متصارعة... ثم تصوير الحزب والشبيبة في حينه كأنه قبيلة زناة مسيحيين.
أذكر.. والخبط قائم أن امرأة أطلّت بوجهها من فتحة خوخة البوابة قائلة: "اضرب يلعن صليبهم". وكان إبنها عضوا في الشبيبة، وهي لا تعرف، وكان ابنها المضروب من إخوته في الدين وهي لا تعرف. قاتل الله الجهل...
اذكر كيف تدخل أخي فقال لها: (إخرسي! ضُبّي حالك... فوتي لجوّه).
لا زالت هذه الكلمات ترن في أذني منذ ما يقارب الستين عاما. ولا زالت تلك "المدام" لا تعرف أن ابنها كان عضوا في الشبيبة وتعتقد حتى الآن أن "الطوشة" كانت بين الإسلام والمسيحيين النصارى، كفار تلك المدينة- الناصرة الذين يؤمنون بالصلب وبنوّة وربوبية المسيح.
بعد حوالي نصف قرن تحدث ملهاة مقام شهاب الدين- أقول ملهاة ولا أقول مأساة لأن السلطة وكما دأبت دوما أن تلهينا ببعضنا البعض.. فإذا لم تعجبك الطائفية خذ العائلية وإذا لم تعجبك العائلية بين العائلات المختلفة المتناحرة خذ شظاياها بداخل العائلة الواحدة!
وأخي كان قبل أكثر من نصف قرن واعيا لما يدور حوله،عندما قال لتلك المرأة: إخرسي! نحن شعب واحد. وأخي نقل ذلك عن والدي.. إخرسي فوتي إنضبّي!
روى لي أخي غير الشقيق الغائب عنا حتى احتلال 1967 أن المرحوم والدنا كان رئيسا للجنة القوميّة حتى احتلال 1948.
حدثني قال انه في أعقاب حوادث 1948 قبيل الاحتلال... جاء إلى والدي شاب يُدعى عبد الرحيم محمود.. وكان شاعرا وضابطا في جيش الإنقاذ قال له: يا أبا محمد.. يا عمي إبراهيم! إلحق! قال: ماذا؟ قال: الجيش إعتقل ستة من سكان الناصرة بتهمة الشيوعية والخيانة.. ويريدون تسفيرهم إلى دمشق... وإذا ما تمّ ذلك فلن يصلوا دمشق أبدا!
قال لي أخي: حمل العكاز وقام، ذهب والدك إلى المسكوبية مع عبد الرحيم وأمر بإخلاء سبيل المعتقلين أو لنقل تدخل لدى سلطات الجيش الذي شارف على هاوية الانسحاب ولو أنه انسحب وأخذهم معه (لوهرفهُم على الطريق!).  
أكد هذا الكلام صليبا خميس، فقد نشر في صحيفة الإتحاد  مقالة تحت عنوان احتلال الناصرة جاء فيها ما يطابق الذي جاء اعلاه.
فماذا تعني هذه القصة؟ لا شيء لا شيء.. للبيت ربٌ يحميه ورجال ونساء تفتديه، قال أخي- وكان لوالدك حس جمعي. جميع سكان المدينة أبناء واخوة وكل البلدة عمّك خالك و... الديّة برقبة العاقل! ويدك منك ولو شُلّت. وكان يقول دائما: لو أنصف الناس لاستراح القاضي!         
بعد حوالي نصف قرن وأثناء عملي في المناطق المحتلة  67  في الدفاع عن السجناء والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال شعرت ذات مرة أنني مكشوف الظهر وقد اشتد الخناق عليّ. قلت في حينه لسكرتير الشبيبة: هل ستدافعون عني إذا ما اعتقلت؟
قال: ما في شك.
قلت: في مرة سابقة تردد السكرتير الذي كان قبلك. أرادت الشبيبة أن تصدر منشورا ضد اعتقالي فحاول هذا ثنيها بدعوى؟ اذا اعترف؟! قالت له الشبيبة: لن يعترف! وراهنته وعلى نفس الرهان كان الصديق مفلح طبعوني الذي افلح هذه المرة فكسب الرهان.
مفاد الحديث أنني شعرت أنني كنت وحيدا فأردت أن تكون لي عزوة.. إن الفرد ليضعف فتقويه الجماعة. الفرد يتقاعس فتحثه الجماعة. ولأن هذه الجماعة هي الحزب الشيوعي الإسرائيلي فانا دائما معه لوضوح الخط وعدم التأتأة. وحين عبّرت عن ذلك كتابة ذات مقالة نشرت في الإتحاد بتاريخ 20.7.2005، جاءني احدهم وقال لي: الداي مش احن من الوالدة. يقصد أنني لست عضوا في الحزب ولا يحق لي أن أقول ما قلت وأعبّر عن غيرتي وقلقي وخوفي عليه، وجن جنوني لأنني لست داية ولا والدة ولأني صديق... ويحق للصديق ما لا يحق لغيره ولأن الصديق وقت الضيق. لقد انتقدني هذا في حينه لأنني قلت "أن بعض الأعضاء في الحزب فقدوا الحس الثوري والأهم الحس الطبقي... يغرّدون خارج السرب... و...لا بدّ من الفرز...ولا يمكن لأي حزب ماركسي أن يمارس ماركسيته من خلال جبهة معارضة للماركسية."
ولأني أعتقد أن الحزب في ضائقة. أولا مالية مزمنة ومستديمة نتيجة لست أدري ماذا. وأتمنى أكون  غلطانا. وثانيا الوضع التنظيمي المترهل والانحرافات عن الطبقي والقومي والأممي وتشابك الحزبي مع الجبهوي وعدم الفصل وعدم وضع سُلّم أولويات والفوضى في صحيفة الحزب الاتحاد وتسرّب بعض الاشتراكات من بين ومن تحت الأصابع، وبعض الغرور الذي يركب بعض المتنفذين والذين يطربون عند الثناء ويسترخون لدى كل لحوسة ويُسخسخون لدى سماع ما يريدون أن يسمعوا. فتكثر الإنتهازية والتملّق والحوَل السلوكي في الشيوعي أو الجبهوي، الفجلة الذي يظهر من الخارج احمر وهو من الداخل ابيض مُكوِّخا. ومنهم من يثرى على حساب الحزب ومنهم من يخون طبقته بعيدا عن صدق التعامل والاستقامة الشخصية وقريبا من الشخصية الفهلوية التي تنزع لتحقيق أقصى ما يمكن من المكاسب بأقل ما يمكن من الجهد، بلعب الثلاث ورقات وسحب الكشاتبين وتقميع القموع وتربيع الدوائر. فعندما يناسبها مثلا أكون أنا شخصيا وعلى سبيل المثال مرّة أخرى ابن عائلة كبيرة وعندما لا يناسبها لا يصوت لي من تلك العائلة احد.
يروى عن الخليفة الأموي الخامس عبد الملك بن مروان- وكان من اعلم أهل زمانه في شؤون الدين- انه لما جاءه أمر الخلافة والمصحف في حجره وبين يديه أطبقه وقال: هذا آخر عهدي بك!
اعتقد انه يعني أن الدين شيء والسياسة شيء آخر. واعتقد أن الشيوعية ليست دينا فالدين يعتمد الثبات والشيوعية تعتمد الحركة وانه في كليهما طالب الولاية والخلافة والقضاء والمنصب لا يولّى! وقد قيل من قبل بإختصار: طالب القضاء لا يُولّى.
فهل المبدأ شيء والتطبيق والممارسة شيئ آخر؟  اعتقد أنه يجب أن يكون انسجام بين المبدأ والتطبيق والممارسة. لكني اعتقد ما اعتقده عبد الملك بن مروان أن القرآن ثابت والسياسة متحركة. لكن إذا جاء الخلط لا يمكنها إلا أن تتناقض مع النص!  فإذا نجحنا في  فصلها (السياسة عن الدين) كما قال عبد الملك بن مروان! يكون القرآن شيئا والسياسة شيئا آخر!
أما بالنسبة للحزب فانني انظر إلى النوعي (الكيف) لا إلى الكم. البركة في الجبهة بالنسبة للكم لكن حتى يستمر الحزب ويجب أن يستمر بحكم الضرورة عليه أن يتخلص من بعض الشحم وعليه حينا آخر أن يقطع في اللحم الحي، عليه أن يثقف أعضاءه تثقيفا حزبيا، خصوصا الشبيبة والدائرة الطلابية، ولا حلول سحرية في الماركسية اللينينية.



الزوار الكرام
تنشر التعليقات المكتوبة باللغة العربية فقط


-






© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع